ترمب وإيران: دبلوماسية على حافة الانفجار

2026.02.08 - 08:23
Facebook Share
طباعة

 أفسحت لغة المدافع، ولو بشكل مؤقت، المجال أمام لغة الدبلوماسية في سلطنة عُمان، حيث تعود واشنطن وطهران إلى مسار التفاوض بعد شهور من التصعيد والتلويح بالمواجهة. غير أن هذا المسار، وفق تقدير صحيفة نيويورك تايمز، يبدو ضيقًا إلى حدٍّ بالغ، ومليئًا بالمخاطر التي قد تقود في أي لحظة إلى انفجار لا يرغب فيه أي من الطرفين، رغم استعداد الجميع لسيناريوهاته.

هذا التوصيف ورد في تقرير تحليلي أعدّه مراسل الصحيفة للشؤون الدبلوماسية في برلين، ستيفن إرلانغر، الذي رأى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يجد نفسه مجددًا جالسًا إلى طاولة المفاوضات مع خصمه اللدود في طهران، في تحول دراماتيكي يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وتداخل الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية.

وبحسب التقرير، فإن عودة ترمب إلى المسار الدبلوماسي لا تنبع من قناعة راسخة بجدوى التفاوض فحسب، بل من إدراك متزايد لكلفة البدائل، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، واستنزاف الموارد، وضغوط الداخل الأميركي الرافض للانخراط في حروب طويلة الأمد.

 

إستراتيجية طهران ورغبة ترمب

يشير إرلانغر إلى أن إيران تعتمد، في هذه المرحلة، على إستراتيجيتها التقليدية القائمة على “إطالة أمد التفاوض” لكسب الوقت، معوّلة على أن يكون ترمب مدفوعًا برغبة ملحة في تحقيق “انتصار سريع” يمكن تسويقه داخليًا بوصفه إنجازًا دبلوماسيًا، من دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.

وفي المقابل، يرى التقرير أن ترمب يدرك أن أي صراع طويل الأمد مع إيران لن يكون بلا ثمن، إذ قد يؤدي إلى استنزاف الاقتصاد الأميركي، ورفع أسعار الطاقة، وإثارة غضب قاعدته الشعبية التي طالما تباهى بأنها ترفض “الحروب الأبدية”. لذلك، يفضّل – وفق الكاتب – صفقة تمنحه لقب “صانع السلام”، دون التورط في مستنقع جديد في الشرق الأوسط.

 

فجوة المطالب… جوهر “الطريق الضيق”

يوضح التقرير أن جوهر “ضيق الطريق” يكمن في الهوة الواسعة بين مطالب الطرفين. فالولايات المتحدة لا تزال تصر على شروط قصوى، تشمل الوصول إلى “صفر تخصيب” لليورانيوم، وتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية، وقطع ما تصفه واشنطن بـ”الأذرع الإقليمية” لإيران.

غير أن طهران ترى في هذه المطالب ما يشبه “دعوة إلى الاستسلام الكامل”، وليس أساسًا منطقيًا لأي تفاوض جاد. وقد أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريحات علنية، أن حق بلاده في تخصيب اليورانيوم، وقدراتها الدفاعية، خطوط حمراء غير قابلة للنقاش.

 

معضلة ترمب السياسية

وينقل إرلانغر عن محللين قولهم إن ترمب يواجه معضلة حقيقية ومعقدة؛ فإذا قدّم تنازلات تتعلق بنسبة التخصيب، فإنه سيعيد عمليًا إنتاج اتفاق 2015، الذي سبق أن وصفه بنفسه بأنه “الأسوأ في التاريخ”. أما إذا تمسك بمواقفه المتشددة، فإن المسار الدبلوماسي قد يصطدم سريعًا بجدار مسدود.

ويرى هؤلاء المحللون أن فشل المفاوضات قد يدفع ترمب، في نهاية المطاف، إلى التفكير بالخيار العسكري، ليس فقط كأداة ضغط، بل أيضًا كوسيلة للحفاظ على مصداقيته السياسية، خاصة في حال ظهر بمظهر العاجز عن فرض شروطه.

 

إصرار أميركي وقلق إسرائيلي

ويضيف التقرير أن إصرار الإدارة الأميركية على أن يكون أي اتفاق جديد “دائمًا” وخاليًا من بنود “انتهاء الصلاحية”، يضع المفاوض الإيراني في زاوية ضيقة، إذ ترى طهران في ذلك مساسًا بجوهر النظام، وبقدراته على الردع في بيئة إقليمية معقدة.

كما يبرز القلق الإسرائيلي بوصفه عامل ضغط إضافيًا يحدّ من هامش المناورة الدبلوماسية. فإسرائيل، بحسب التقرير، تراقب أي تقارب أميركي-إيراني بحذر شديد، وتخشى من تخفيف العقوبات دون ضمانات أمنية صارمة تتعلق بالمنشآت النووية والقدرات الصاروخية الإيرانية.

 

فرصة أخيرة قبل الانفجار

ويخلص إرلانغر إلى أن العودة إلى الدبلوماسية قد تمثل “الفرصة الأخيرة” لتجنّب مواجهة كبرى، لكنها فرصة مثقلة بانعدام الثقة التاريخي، وتضارب المصالح الإستراتيجية، وتراكم سنوات من العداء.

ويختم التقرير بالإشارة إلى أن مقامرة طهران على صبر ترمب، ورهان ترمب على إضعاف إيران عبر العقوبات والضغوط الداخلية؛ قد ينتهيان، في حال فشل الطرفين في إيجاد تسوية وسط، بمواجهة عسكرية واسعة، على ذلك “الطريق الضيق” الذي لا يحتمل الكثير من الأخطاء أو المناورات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 10