شهدت العاصمتان الألمانية برلين والفرنسية باريس، يوم السبت، مظاهرات حاشدة داعمة للشعب الفلسطيني، تنديدًا بالجرائم الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي الأوروبي إزاء الحرب المستمرة والانتهاكات الإنسانية، رغم مرور أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
ففي برلين، خرج مئات المتظاهرين في مسيرة حاشدة انطلقت من حي فيدينغ الشعبي، واتجهت نحو ساحة ليوبولد، استجابة لدعوات أطلقتها مجموعات مدنية ومنظمات تضامن مع فلسطين. ورفع المشاركون شعار “أوقفوا الإبادة الجماعية”، مرددين هتافات تطالب بوقف الحرب فورًا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة.
وحمل المتظاهرون لافتات كُتبت عليها عبارات مثل “الحرية لفلسطين” و“أوقفوا قتل الأطفال” و“لا للسلاح الألماني في حرب الإبادة”، في إشارة مباشرة إلى الدعم العسكري الذي تقدمه الحكومة الألمانية لإسرائيل، وهو ما أثار انتقادات واسعة في أوساط المحتجين.
وقال أحد المشاركين في المظاهرة، في شهادة لحكي عمومي:
“لا يمكن لألمانيا أن تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما تستمر في تسليح دولة تُتهم بارتكاب جرائم حرب. صمت الحكومات خيانة للقيم الإنسانية”.
وأضافت متظاهرة أخرى:
“نحن هنا من أجل غزة، من أجل الأطفال والنساء، من أجل شعب يُحاصر ويُقصف ويُجوع أمام أعين العالم”.
ورغم الطابع السلمي للمسيرة، فرضت الشرطة الألمانية إجراءات أمنية مشددة، خاصة في محيط ساحة ليوبولد، حيث تدخلت لتفريق المتظاهرين، واعتقلت ما لا يقل عن أربعة أشخاص، وفق ما أفادت به مصادر محلية، دون الإعلان عن تفاصيل إضافية حول أسباب الاعتقال.
وفي باريس، شهدت شوارع العاصمة الفرنسية مظاهرة مماثلة، شارك فيها مئات الأشخاص استجابة لنداء جمعيات ومنظمات حقوقية، عبّروا خلالها عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، إلى جانب شعوب أخرى قالوا إنها تتعرض “للتمييز والقمع”، وعلى رأسها شعوب السودان وفنزويلا.
ورفع المتظاهرون في باريس لافتات كُتب عليها “قاطعوا إسرائيل” و“العدالة لفلسطين”، كما حملوا أعلام فلسطين وفنزويلا، ورددوا هتافات تندد بالحرب والحصار، وتطالب بوقف الانتهاكات بحق المدنيين.
وأكد أحد منظمي التظاهرة، في تصريح علني:
“نضالنا واحد ضد القمع أينما كان، سواء في فلسطين أو السودان أو فنزويلا. العدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان يجب أن تُحترم دون انتقائية”.
وتأتي هذه التحركات الشعبية في وقت تواصل فيه إسرائيل خرق اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الساري منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث تشير تقارير ميدانية إلى استشهاد 576 فلسطينيًا منذ بدء سريان الاتفاق، نتيجة الغارات والقصف المتكرر، إضافة إلى منع إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية، ما فاقم الأزمة الإنسانية في القطاع المحاصر.
ويرى مراقبون أن اتساع رقعة الاحتجاجات في العواصم الأوروبية يعكس تحولًا ملحوظًا في المزاج العام، حيث لم تعد القضية الفلسطينية حكرًا على الجاليات العربية أو الإسلامية، بل باتت تحظى بتضامن قطاعات واسعة من المجتمع الأوروبي، بما في ذلك نشطاء حقوق الإنسان ونقابات وطلاب جامعات.
ويؤكد المحتجون أن استمرار المظاهرات هو رسالة ضغط موجهة إلى الحكومات الأوروبية، للمطالبة بوقف الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل، والتحرك الجاد من أجل حماية المدنيين وضمان إدخال المساعدات، وفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتكبة.
ومع تواصل الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، يبدو أن الشارع الأوروبي مرشح لمزيد من التحركات، في محاولة لفرض صوت الشعوب في مواجهة سياسات رسمية يتهمها المحتجون بالتواطؤ أو الصمت.