تعود العلاقات اللبنانية السورية إلى واجهة الاهتمام من خلال الاتفاقية القضائية الخاصة بنقل محكومين سوريين من السجون اللبنانية إلى دمشق لاستكمال تنفيذ محكومياتهم مع اشتراط موافقة المحكوم على النقل وتشكل خطوة لتخفيف الضغط على السجون وفتح قناة تعاون بين السلطات القضائية وتمثل بداية لمسار جديد في إدارة العلاقة بين الدولة اللبنانية والنظام السوري الجديد بعد مرحلة الأسد.
يعتبر الملف القضائي في التاريخ المشترك بين البلدين أداة للتأثير السياسي والأمني أحيانا ولهذا فإن الاتفاقية تمثل اختبارا لقدرة الدولة اللبنانية على وضع معايير واضحة وامتثال دمشق لها ويصبح نجاحها مرتبطا بكيفية إدارة الآليات التنفيذية وحدود تأثير السياسة على القضاء.
تكمن أهمية الاتفاقية في كونها أول تفاهم عملي مع السلطات السورية الجديدة وتعكس بداية مرحلة انتقالية قد تسمح بإعادة ترتيب العلاقة بعد عقود من النفوذ المباشر وغير المباشر ثم مرحلة الانسحاب والقطيعة الرمادية والحرب السورية التي أضافت ملفات معقدة مثل تدفق اللاجئين شبكات التهريب وحدود غير مستقرة وتعاظم اقتصاد الظل وتشير الاتفاقية إلى خطوة لاختبار قدرة الطرفين على تحويل الملفات الحساسة إلى إدارة مؤسساتية واضحة.
يشكل شرط موافقة المحكوم على النقل ضمانة أساسية ضد النقل القسري ويضع آليات واضحة لحماية حقوق المحكومين ومعالجة الملفات القضائية بطريقة مستقلة دون استغلالها سياسيا وتتيح الاتفاقية تقييم طبيعة العلاقة بين بيروت ودمشق بما يضمن تحييد القضاء وإعادة القنوات الرسمية للإدارة بعيدًا عن التأثيرات غير الرسمية السابقة
يشمل نطاق هذه المرحلة ملفات ثقيلة أخرى مثل المفقودين والمخفيين قسرا الحدود والمعابر اللاجئون وفلول النظام السابق وتحتاج إلى إدارة مؤسساتية دقيقة لضمان استقرار العلاقة بين الدولة اللبنانية والنظام الجديد في سوريا ويشير المراقبون إلى أن القدرة على متابعة تنفيذ الاتفاقية بصرامة ووضوح قد تحدد كيفية تطوير العلاقات مستقبلا.
تُعد الاتفاقية خطوة أساسية لتحديد قواعد العمل بين البلدين بعد مرحلة تحكم النفوذ فيها بالقنوات غير الرسمية والمصالح المؤقتة وتشير إلى أن قيمة الاتفاقية الحقيقية تكمن في التنفيذ وليس في التوقيع وحده وهي فرصة لتثبيت العلاقات على أسس قانونية مؤسساتية تضمن احترام السيادة والحقوق وحماية الملفات الحساسة بعيدًا عن الاستثمار السياسي أو التسويات الظرفية.