تجددت الاشتباكات المسلحة، يوم الجمعة 6 شباط، بين قوات الأمن الداخلي و”الحرس الوطني” في محافظة السويداء جنوبي سوريا، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أشهر، ما أدى إلى أضرار مادية طالت ممتلكات المدنيين، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين بشأن المسؤولية عن التصعيد.
وبحسب مصدر في السويداء، أطلق “الحرس الوطني”، المدعوم من الرئيس الروحي للطائفة الدرزية حكمت الهجري، قذائف هاون باتجاه قرية المزرعة في الريف الغربي للمحافظة، أعقبها استهداف بالرشاشات الثقيلة، ما دفع قوات الأمن الداخلي المتمركزة على نقاط التماس إلى الرد على مصادر النيران.
قرية المزرعة… نقطة تماس حساسة
وتُعد قرية المزرعة من أبرز النقاط التي ما تزال تخضع لسيطرة الحكومة السورية في ريف السويداء الغربي، وتكتسب أهمية رمزية وعسكرية، كونها مسقط رأس ليث البلعوس، القيادي في “مضافة الكرامة”، وأحد أبرز الشخصيات الدرزية المحسوبة على التيار الموالي للحكومة.
وأفادت العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء أن قوات الأمن الداخلي ردّت على مصادر إطلاق النار “ضمن قواعد الاشتباك المعمول بها”، مؤكدة أن الاستهداف طال مواقع عسكرية، وليس أحياء سكنية.
اتهامات متبادلة بخرق وقف النار
في المقابل، اتهم “الحرس الوطني” القوات الحكومية بخرق اتفاق وقف إطلاق النار، واستهداف المحاور الغربية لمدينة السويداء باستخدام الرشاشات الثقيلة وقذائف الهاون، إضافة إلى تشغيل طائرات مسيّرة.
وقال “الحرس” في بيان إن القوات الحكومية قصفت بلدة المجدل بثماني قذائف هاون سقطت داخل الأحياء السكنية، تلاها ما وصفه بـ”محاولات تسلّل” نفذتها مجموعات انطلقت من جهة قرية المزرعة.
وأضاف أن وحداته “تصدّت لمصادر الإطلاق”، مؤكداً عدم حدوث أي تغيير ميداني في خطوط التماس أو مناطق السيطرة.
وفي بيان لاحق، أشار “الحرس الوطني” إلى أن القوات الحكومية المتمركزة في بلدات ريمة حازم والمنصورة وولغا، استهدفت الأحياء السكنية في المحور الشمالي الغربي لمدينة السويداء بقذائف هاون، مؤكداً أن عناصره تعاملوا مع مصادر النيران باستخدام “الوسائط النارية المناسبة”.
اشتباكات متقطعة منذ أيام
وتأتي هذه التطورات بعد يومين من اشتباكات متقطعة شهدها ريف السويداء الغربي، حيث أفاد مراسل عنب بلدي بأن “الحرس الوطني” استهدف، يوم الخميس، قرى ولغا وريمة حازم والمنصورة، ما أسفر عن إصابة ثلاثة عناصر من قوات الأمن الداخلي.
وتتكرر هذه الاشتباكات بشكل شبه يومي، رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية دولية، من دون أن يطرأ أي تغيير يُذكر على خارطة السيطرة داخل المحافظة.
ميدانياً، تسيطر الحكومة السورية على أكثر من 30 قرية في الأرياف الغربية للسويداء، بينما يتمركز مقاتلو “الحرس الوطني” في مركز المدينة، ويتحصنون في أحياء عدة، ما يجعل خطوط التماس متداخلة وقابلة للاشتعال في أي لحظة.
ما هو “الحرس الوطني”؟
“الحرس الوطني” هو تشكيل عسكري أُعلن عن تأسيسه في 23 آب 2025، بمباركة مباشرة من الرئيس الروحي للطائفة الدرزية حكمت الهجري، ويضم فصائل محلية تنشط داخل محافظة السويداء.
ويقدّم “الحرس” نفسه كقوة “حماية محلية”، في مقابل اتهامات حكومية له بالعمل خارج إطار الدولة، ورفضه الانخراط الكامل ضمن مؤسسات وزارتي الدفاع والداخلية.
خلفية الأحداث في السويداء
تعود جذور التوتر الحالي إلى 12 تموز 2025، حين اندلعت اشتباكات إثر عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس ذي الغالبية البدوية، وعدد من أبناء الطائفة الدرزية في مدينة السويداء، قبل أن تتوسع المواجهات في اليوم التالي.
وفي 14 تموز، تدخلت القوات الحكومية لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات طالت مدنيين من الطائفة الدرزية، بحسب مصادر محلية، ما دفع فصائل محلية، بينها مجموعات كانت تتعاون سابقاً مع وزارتي الدفاع والداخلية، إلى الرد المسلح.
وفي 16 تموز، انسحبت القوات الحكومية من مدينة السويداء، بعد تعرض مواقعها لضربات إسرائيلية، أعقب ذلك أعمال انتقام وانتهاكات بحق سكان البدو في المحافظة، ما دفع عشائر من خارج السويداء لإرسال أرتال مسلحة على شكل “فزعات عشائرية” دعماً لهم.
لاحقاً، جرى التوصل إلى اتفاق بين الحكومة السورية وإسرائيل بوساطة أمريكية، قضى بوقف العمليات العسكرية، وتهدئة التصعيد في جنوب البلاد.
إدارة محلية بديلة
وفي سياق موازٍ، أعلنت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية، في 6 آب 2025، عن تشكيل “اللجنة القانونية العليا” في السويداء، وهي هيئة محلية لإدارة الشؤون الخدمية والأمنية في المحافظة، بعد خروج القوات الحكومية منها.
وضمت اللجنة ستة قضاة وأربعة محامين، وتولت مهام تنظيم الحياة المدنية والأمنية، في محاولة لملء الفراغ الذي خلّفه انسحاب مؤسسات الدولة.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
ورغم الاتفاقات المعلنة، لا تزال محافظة السويداء تعيش حالة هشاشة أمنية، في ظل غياب حل جذري ينهي ازدواجية السلطة والسلاح. وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات بخرق التهدئة، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، وسط مخاوف من انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع، في حال فشل الجهود السياسية والأمنية في تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم.