كشفت صحيفة ذا ناشيونال عن انطلاق مناقشات رسمية بين الحكومتين السورية والفرنسية، تهدف إلى تحويل عشرات ملايين اليوروهات من أصول رفعت الأسد المصادرة في فرنسا إلى سوريا، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة، وتحمل أبعاداً قانونية وسياسية تتجاوز مجرد استعادة أموال منهوبة.
وبحسب الصحيفة، تتركز المحادثات حول تحويل نحو 32 مليون يورو (ما يعادل 37 مليون دولار) من الأموال المصادرة، على أن تُستخدم في تمويل مشاريع تنموية تُتفق عليها مع السلطات السورية، وتحقق أثراً مباشراً على حياة السوريين. ونقلت الصحيفة عن مصدر دبلوماسي فرنسي قوله إن “النقاش يدور حول إعادة أموال سُرقت من قبل نظام فاسد إلى الشعب الذي سُرقت منه”.
وفد سوري في باريس
وذكرت ذا ناشيونال أن المباحثات بدأت الأسبوع الماضي، عقب زيارة وفد سوري رسمي إلى باريس، ترأسه نائب وزير العدل مصطفى القاسم، وضمّ النائب العام السوري حسن يوسف التربة. وأوضح التقرير أن الوفد السوري يأمل في التوصل إلى اتفاق نهائي بين البلدين قبل نهاية العام الجاري.
نائب وزير العدل مصطفى القاسم أكد، في تصريح للصحيفة، أن الجانب الفرنسي أبدى استعداداً واضحاً لإعادة الأموال المصادرة، مشيراً إلى أن باريس ترى إمكانية توظيف هذه العائدات في مشاريع إعادة الإعمار، أو على الأقل في دعم البنية التحتية الأساسية التي تضررت خلال سنوات الحرب.
“سابقة تاريخية”
من جهته، اعتبر مدير المركز السوري للعدالة والمساءلة، المحامي محمد العبد الله، الذي ساهم في تنظيم الاجتماعات، أن هذه الخطوة قد تشكل “سابقة تاريخية”، كونها المرة الأولى التي تُعاد فيها أموال نهبتها شخصيات من النظام السابق إلى الدولة السورية.
وأوضح العبد الله أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في قيمتها المالية، بل في رمزيتها القانونية، باعتبارها اعترافاً عملياً بحق السوريين في استعادة الأموال المنهوبة، وربط العدالة الجنائية بالعدالة الاقتصادية.
أصول مصادرة بملايين اليوروهات
بدوره، قال المتحدث باسم وزارة العدل الفرنسية إن القضاء الفرنسي أشرف حتى الآن على بيع أصول رفعت الأسد المصادرة بموجب حكم قضائي، وتبلغ قيمتها الإجمالية نحو 47 مليون يورو. إلا أن الوزارة امتنعت عن الخوض في تفاصيل عمليات البيع الفردية، مبررة ذلك بالالتزام بالسرية القانونية.
وأوضحت ذا ناشيونال أن المبلغ قيد النقاش حالياً، والبالغ 32 مليون يورو، يقل عن القيمة الإجمالية للأصول المصادرة، نظراً لعدم تحويل جميع عائدات البيع إلى خزينة الدولة الفرنسية حتى الآن، مع توقعات باستكمال عمليات بيع إضافية خلال الفترة المقبلة.
مساعدات قانونية وعدالة انتقالية
لم تقتصر الزيارة السورية إلى باريس على ملف أصول رفعت الأسد. فبحسب الصحيفة، عقد الوفد السوري سلسلة اجتماعات مغلقة مع مسؤولين في وزارتي الخارجية والعدل الفرنسيتين، إضافة إلى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، ومعهد البحوث الجنائية التابع للدرك الوطني.
وخلال هذه الاجتماعات، سعى الجانب السوري إلى الاستفادة من الخبرات الفرنسية في سد الثغرات القانونية المتعلقة بمحاكمة جرائم الحرب، ومناقشة أشكال التعاون التقني، لا سيما في ما يتعلق بالكشف عن المقابر الجماعية، وهي عملية من المقرر أن تبدأ خلال العام المقبل.
“العدالة أهم من المال”
وأكد نائب وزير العدل مصطفى القاسم أن قيمة الأموال المزمع إعادتها، رغم أهميتها، لا تعادل حجم ما سُرق من السوريين على مدى عقود. وقال: “نحن نركز على تطبيق العدالة وبناء تعاون مؤسسي مع السلطات الفرنسية، خاصة في ملفات العدالة الانتقالية والمختفين قسراً”.
من جانبه، أشار النائب العام السوري حسن يوسف التربة إلى الحاجة الملحة للدعم الفني والتدريب، موضحاً أن القضاء السوري يفتقر حالياً إلى التعاون القضائي الدولي. وأضاف: “حتى الآن، لا يوجد لدينا أي تعاون قضائي فعلي مع أي دولة، رغم وعود سابقة من دول ومنظمات دولية والأمم المتحدة لم تُنفذ”.
فجوة المعرفة القانونية
وفي هذا السياق، طرح محمد العبد الله تساؤلاً حول أسباب عدم نقل الخبرات القانونية الدولية إلى سوريا، معتبراً أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب خارطة طريق واضحة لدى الحكومة السورية لكيفية البدء بإصلاح المنظومة القضائية، في ظل حجم الانتهاكات وتعقيد الملفات.
خلفية قضائية
يُذكر أن القضاء الفرنسي كان قد أدان رفعت الأسد، عمّ رئيس النظام السابق بشار الأسد، في 17 حزيران 2020، وحكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهم اختلاس أموال عامة سورية وغسل أموال، مع مصادرة ممتلكاته التي قُدّرت بعشرات ملايين اليوروهات.
وفي تشرين الأول 2021، عاد رفعت الأسد إلى دمشق متفادياً تنفيذ الحكم، قبل أن يغادر سوريا مجدداً عقب سقوط حكم عائلة الأسد في كانون الأول 2024. وتداولت وسائل إعلام معلومات عن انتقاله من سوريا إلى لبنان، ثم إلى الإمارات العربية المتحدة، حيث توفي في 21 كانون الثاني الماضي عن عمر ناهز 88 عاماً.
بين استعادة الأموال وبناء الثقة
وتأتي هذه المباحثات في سياق أوسع، تحاول فيه الحكومة السورية الجديدة إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، عبر ملفات العدالة، والمساءلة، واستعادة الأموال المنهوبة. وبينما تبقى نتائج هذه المفاوضات رهناً بالاتفاقات القانونية النهائية، يرى مراقبون أن نجاحها قد يفتح الباب أمام مسارات مماثلة في دول أوروبية أخرى، ويشكل خطوة عملية نحو ربط العدالة الانتقالية بإعادة الإعمار.