ضفيرة زائفة تشعل تعاطفاً عالمياً

2026.02.07 - 01:28
Facebook Share
طباعة

 في زمن تتقدّم فيه الصورة على الحقيقة، بات مقطع فيديو قصير كفيلاً بإشعال موجات تضامن عابرة للحدود، وصناعة سرديات سياسية كاملة. هذا ما خلص إليه تحقيق موسّع نشرته مجلة دير شبيغل الألمانية، تناول كيفية استغلال “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” وسائل التواصل الاجتماعي لحشد التعاطف الدولي، عبر تداول مقطع “ضفيرة الشعر” الذي رجّحت المجلة أنه يفتقر إلى الأساس الحقيقي الذي بُنيت عليه روايته.


التحقيق، الذي حمل عنوان: “ضفيرة تبدو زائفة تُحدث تغييراً في العالم”، يؤكد أن الفيديو المنتشر ليس مزيفاً من حيث الشكل، لكن الرسالة التي نُسبت إليه لا تستند إلى وقائع مثبتة، ما جعله نموذجاً صارخاً على قوة التضليل البصري في النزاعات المعاصرة.


فيديو بـ17 ثانية… وسردية كاملة
يظهر في المقطع، الذي لا يتجاوز 17 ثانية، رجل في منتصف العمر يمسك بيده ضفيرة شعر، بينما يدور حوار مقتضب بينه وبين مصوّر الفيديو. يقول الرجل إنه “أحضر شعراً لرفيقة”، دون توضيح إضافي، فيما يُختتم المقطع بعبارة توحي بأن المرأة “بخير” وأن الموجود هو “مجرد شعرها”.

نُشر الفيديو على منصة “تيك توك” في 20 كانون الثاني، وسرعان ما فُسّر على نطاق واسع على أنه يوثّق قطع ضفيرة مقاتلة كردية خلال معارك في شمال شرقي سوريا، في مشهد اعتُبر إهانة متعمدة و”غنيمة حرب”. ومع هذا التأويل، انطلقت عاصفة رقمية.


من منصات محلية إلى تعاطف عالمي
بحسب دير شبيغل، بدأ تداول الفيديو على صفحات كردية مقربة من “قسد”، قبل أن ينتشر عالمياً ضمن حملة رقمية أوسع، قدّمت المقطع كدليل على “عودة ممارسات داعش” وتهديد وجودي للأكراد، في سياق رفض دمج مناطق “قسد” ضمن الدولة السورية الجديدة.

تحوّل المقطع إلى رمز. نساء كرديات جدلن ضفائرهن في شوارع مدن أوروبية وأميركية، ومذيعات ونشطاء أعلنوا ما سُمّي بـ”ثورة الضفائر”، فيما امتلأت المنصات باتهامات مباشرة للسلطة السورية الجديدة، وبتوصيفات حادّة غذّت المخاوف والهواجس التاريخية.


تهديدات… وتماثيل… وضغط شعبي
لم يتوقف التأثير عند حدود التعاطف. الرجل الذي ظهر في الفيديو تلقّى تهديدات بالقتل عبر وسائل التواصل، فيما عُرض تمثال خشبي لضفيرة شعر بارتفاع مترين باعتباره رمزاً “للمقاومة النسوية الكردية”. كل ذلك حدث خلال أيام قليلة، قبل أن تبدأ رواية مغايرة بالظهور.


رواية ميدانية مختلفة
التحقيق الميداني الذي أجرته دير شبيغل في بلدة تل أبيض، حيث صُوّر الفيديو، لم يجد أي دليل على قطع شعر مقاتلة كردية، أو على وقوع حادثة مشابهة من الأساس. شهود عيان وأشخاص شاركوا في الواقعة أكدوا أن الضفيرة كانت ملقاة في الشارع، ويُرجح أنها خصلة شعر صناعي (إكستنشن)، من النوع المتداول في صالونات الحلاقة.

بحسب الشهادات، جرى تداول الضفيرة على سبيل المزاح داخل مطعم، قبل أن يُصوَّر المقطع دون إدراك العواقب. وعندما تحوّل المزاح إلى “اعتراف” عالمي بجريمة غير موجودة، حاول المعنيون نفي الرواية، لكن صوتهم ضاع وسط الضجيج الرقمي.

مدير منظمة إغاثية محلية في تل أبيض أكد للمجلة أنه لم تُسجل أي حادثة قتل أو اعتداء على امرأة في المدينة، موضحاً أن المنطقة صغيرة، وأي حادثة من هذا النوع كانت ستُعرف فوراً.


الفيديو صحيح… لكن الرسالة خاطئة
تخلص دير شبيغل إلى أن مقطع “الضفيرة” مثال دقيق على كيفية تحويل صورة مجتزأة إلى أداة تعبئة سياسية. فالفيديو نفسه حقيقي، لكن المعنى الذي أُلصق به جرى تضخيمه وتوظيفه خارج سياقه.

وترى المجلة أن “قسد”، التي فقدت خلال أسابيع مساحات واسعة من نفوذها في مناطق ذات غالبية عربية، لجأت إلى تكثيف حملتها الرقمية لتقديم نفسها كحائط صدّ أمام عودة “داعش”، رغم تغير المشهد السياسي والعسكري في سوريا.


تضليل متبادل وخطورة التصعيد
لا يحصر التحقيق التضليل بطرف واحد. فخطاب الكراهية والتشويه، بحسب المجلة، يُمارس من الجانبين. في المقابل، تنتشر أيضاً مقاطع وصور مشوهة أو منزوعة السياق، بعضها من دول أخرى، ويُعاد توظيفها على أنها من سوريا، ما يفاقم حالة الاحتقان.

وتحذر دير شبيغل من أن الاستسلام لمنطق “التصديق التلقائي” على وسائل التواصل يقود إلى استنتاجات خطيرة، خاصة في بيئة هشة خرجت للتو من سنوات طويلة من الحرب.


من مزحة سيئة إلى كارثة محتملة
يختم التحقيق بالتحذير من أن المسافة بين “مزحة سيئة” و”حمام دم” باتت أقصر من أي وقت مضى. ففشل وقف إطلاق النار أو عودة المواجهات المفتوحة قد يدفع الأطراف إلى دوامة عنف لا يمكن السيطرة عليها، في ظل خطاب تعبوي متوتر، وصور – حتى وإن كانت خاطئة – قادرة على إشعال صراعات حقيقية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1