منصات التواصل… من رأي عام إلى تحريض في سوريا

2026.02.07 - 01:04
Facebook Share
طباعة

 
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي في سوريا مجرد منصات للتعبير عن الرأي أو نقل الشكوى العامة، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحات اشتباك لفظي ومناطقي، تتقاطع فيها حرية التعبير مع خطاب التحريض والكراهية، وتجرّ معها دعاوى قضائية وتهديدات تمسّ السلم الأهلي وهيبة القانون.

القضية الأخيرة التي فجّرت هذا الجدل بدأت عقب انتشار مقطع مصوّر لناشط على مواقع التواصل الاجتماعي يُدعى شازار الزعبي، جاء فيه ردّ على اعتراض أحد المواطنين خلال تظاهرة احتجاجاً على رفع أسعار الكهرباء. غير أن مضمون المقطع فُسّر على نطاق واسع على أنه إساءة وتشهير بأهالي دمشق، ما أشعل موجة استنكار واسعة على المنصات الرقمية.

لاحقاً، ظهر الزعبي في تسجيل آخر قدّم فيه اعتذاراً عمّا وصفه بـ”سوء الفهم”، معتبراً أن ما جرى هو “اصطياد في الماء العكر”، قبل أن يقوم بحذف المقطع الأول. إلا أن الاعتذار لم ينهِ الجدل، بل فتح الباب أمام تحركات قانونية، تمثلت بتقدّم عدد من المحامين السوريين بدعاوى قضائية ضد ما اعتبروه خطاب قدح وتشهير وتحريض مناطقي.


دعاوى قضائية تقابلها تهديدات مباشرة
في تطور لافت، لم تتوقف تداعيات القضية عند حدود القضاء، إذ تعرّض عدد من المحامين الذين تقدموا بالشكاوى لتهديدات مباشرة، دفعت بعضهم إلى سحب دعاواهم، فيما أصر آخرون على الاستمرار رغم الضغوط.

المحامي يامن الشفوني، أحد مقدمي الشكاوى، أكد في حديثه أن تهديدات صريحة بالقتل وصلته عبر تطبيق “واتساب”، من شخص عرّف عن نفسه باسم “محمد الحريري”، مستخدماً عبارات تتضمن وعيداً مباشراً، ومطالباً بسحب الدعوى تحت طائلة الأذى الجسدي، بل وتعدى ذلك إلى تهديدات تمسّ أسرته.

الشفوني أوضح أن شكواه استندت إلى ما اعتبره “ممارسات تحريض وخطاب كراهية”، مشيراً إلى أن المقاطع المصوّرة المتداولة حملت تهكماً وسخرية مسيئة، وتجاهلت تاريخ دمشق وريفها، وتضحيات أبنائها، ومشاهد الاحتجاجات التي شهدتها أحياء عدة من العاصمة خلال سنوات الثورة.

وأضاف أن الشكوى سُجلت أصولاً لدى الجهات المختصة، وتم تحويلها إلى الأمن الجنائي، مؤكداً عزمه عدم التراجع عنها، باعتبار أن ما جرى لا يمسّه بصفته الشخصية فحسب، بل يمسّ كرامة مدينة وأهلها، ويشكل امتداداً لسياسات “كم الأفواه” التي خرج السوريون أصلاً لرفضها.


القانون في مواجهة خطاب التحريض
من جهته، أوضح المحامي رشاد القاضي، وهو أيضاً من مقدمي الشكاوى، أن المحتوى المنشور تضمّن تعميمات مسيئة بحق شريحة واسعة من المواطنين، وهو ما يمنح أي متضرر معنوياً حق اللجوء إلى القضاء.

وأشار القاضي إلى أن الفيديوهات والبثوث المنشورة تشكل أدلة رقمية معتبرة قانوناً، كونها موثقة بتاريخ وروابط نشر، وتعود لحسابات معروفة، فيما يبقى توصيفها النهائي من صلاحية القضاء. كما أكد أنه تعرض بدوره لتهديدات بهدف الضغط عليه لسحب الدعوى، وتم توثيقها وتقديمها للجهات المختصة.

وشدد القاضي على أن أي تهديد لمحامٍ بسبب قضية منظورة يُعد تدخلاً في سير العدالة، ويُجرّم قانوناً، مؤكداً أن الهدف من اللجوء للقضاء ليس التصعيد، بل الاحتكام إلى القانون وحماية الكرامة العامة.


اعتداء على المحامين… وجريمة يعاقب عليها القانون
بدورها، أوضحت المحامية فاطمة الحواصلي أن ما صدر من إساءات بحق أهالي دمشق تجاوز حدود حرية التعبير، ولامس الشرف والكرامة، ما يشكّل الأركان القانونية الكاملة لجرم الذم والقدح العلني عبر الشبكة، إضافة إلى جرم إثارة النعرات وبث الكراهية بين مكونات المجتمع السوري.

وأكدت أن التهديدات التي طالت المحامين بسبب ممارسة عملهم تُعد اعتداءً موصوفاً، إذ إن القانون يمنح المحامي حصانة خاصة، ويعامل الاعتداء عليه كاعتداء على قاضٍ. ودعت إلى تحرك فوري من نقابة المحامين لتوفير الحماية اللازمة لأعضائها، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالرأي العام.


بين حرية التعبير والسلم الأهلي
تسلّط هذه القضية الضوء على تحدٍ بالغ الحساسية تواجهه سوريا اليوم: كيف يمكن حماية حرية التعبير دون تحويلها إلى أداة للتحريض والكراهية؟ وكيف يمكن ضمان حق التقاضي دون خوف أو ترهيب؟

المخاوف تتزايد من تحول منصات التواصل إلى فضاءات بلا ضوابط، تُمارس فيها حملات تشهير وتهديد، ما يهدد السلم الأهلي، ويقوض الثقة بين مكونات المجتمع، ويعيد إلى الأذهان مشاهد الإفلات من العقاب.

ويبقى الرهان اليوم على قدرة الدولة ومؤسساتها على فرض سيادة القانون، ومحاسبة المحرضين، وحماية حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، باعتباره الضامن الوحيد لكرامة الأفراد وبناء دولة القانون.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 7