رغم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا خلال العام الأخير، لم تُغلق الحدود غير الشرعية مع لبنان، ولم تختفِ معها أنشطة التهريب المتنوعة. إلا أن اللافت في الأشهر الأخيرة هو التراجع الواضح في وتيرة تهريب المحروقات، بعدما كان واحدًا من أكثر الأنشطة ربحًا وانتشارًا على جانبي الحدود.
فخلال السنوات الماضية، شكّل فرق الأسعار الحاد بين لبنان وسوريا محركًا أساسيًا لتهريب الوقود، مستفيدًا من الأزمات المتلاحقة ونقص الإمدادات داخل الأراضي السورية. غير أن المشهد تغيّر تدريجيًا، مع تحسّن نسبي في توفر المحروقات داخل سوريا، وتقلّص الفارق السعري إلى حدود لم تعد مغرية للمهربين.
الأسعار تقلب المعادلة
في مطلع العام الماضي، ومع انهيار منظومة الدعم وغياب الإمدادات المنتظمة، وصل سعر ليتر البنزين في السوق السورية إلى مستويات مرتفعة جدًا مقارنة بلبنان، ما جعل التهريب تجارة سريعة الربح، تُدر مكاسب تتجاوز 100% في بعض الفترات.
أما اليوم، فقد انخفض سعر ليتر البنزين في سوريا إلى ما يقارب سعره في لبنان، مع فروق طفيفة لا تتجاوز سنتات قليلة. هذا التقارب السعري أفقد التهريب جدواه الاقتصادية، وحوّله من تجارة منظّمة ومربحة إلى نشاط هامشي، يعتمد على مبادرات فردية محدودة.
وفرة الوقود تُضعف السوق السوداء
إلى جانب عامل السعر، لعب تحسّن توفر المحروقات داخل سوريا دورًا حاسمًا في تراجع التهريب. فمع دخول شحنات جديدة إلى الأسواق، وتخفيف القيود السابقة على التوزيع، لم يعد الوقود سلعة نادرة كما كان في السابق.
كما أسهم إلغاء نظام التقنين الصارم والآليات التي كانت تفرض حصصًا محددة للمواطنين في تقليص الطلب على الوقود المهرّب، بعدما كان يُنظر إليه كبديل وحيد في فترات الشح.
من الصهاريج إلى الغالونات
التغير لم يقتصر على حجم التهريب، بل شمل شكله أيضًا. فبعدما كانت الصهاريج تعبر الحدود عبر مسارات معروفة، بات هذا الأسلوب محفوفًا بالمخاطر، في ظل تغيّر الأجهزة الأمنية وتبدّل قواعد السيطرة على المعابر غير الشرعية.
اليوم، يقتصر التهريب في معظمه على كميات صغيرة تُنقل في “غالونات”، سواء عبر سيارات خاصة أو سيرًا على الأقدام في المناطق الجبلية والطرق الوعرة. هذا النمط لا يتطلب تنسيقًا واسعًا، لكنه يعكس محدودية الكميات وانخفاض هامش الربح.
انفلات أمني… لكن بلا أرباح
رغم الحديث المتكرر عن حالة انفلات أمني على الحدود، إلا أن ذلك لم يُترجم إلى انتعاش في تجارة المحروقات المهرّبة. فغياب الاستقرار لا يعني بالضرورة سهولة التهريب، خصوصًا مع غياب شبكات الحماية المعروفة سابقًا، وتبدّل العناصر الأمنية بشكل مستمر.
كما أن حالة عدم اليقين حول القوانين الجديدة والعقوبات المحتملة دفعت كثيرين إلى التخفف من المخاطرة، والاكتفاء بنشاط محدود لا يلفت الانتباه.
الجودة تحت المجهر
عامل آخر ساهم في تراجع الإقبال على البنزين المهرّب، يتمثل في تدهور جودته. فمع انتقال التهريب إلى كميات صغيرة، وانتفاء الرقابة، بات خلط البنزين وتخزينه بطرق غير آمنة أمرًا شائعًا، ما أدى إلى شكاوى متزايدة من أعطال فنية وأضرار لحقت بالمركبات.
هذا التراجع في الجودة أفقد البنزين اللبناني سمعته السابقة داخل السوق السورية، حيث لم يعد يُنظر إليه كخيار أفضل، بل كمنتج غير مضمون النتائج.
نشاط مستمر… ولكن هامشي
ورغم كل هذه العوامل، لم يتوقف تهريب المحروقات كليًا. فما زالت بعض المناطق الحدودية تشهد حركة محدودة، يغذيها الطلب الفردي أو الحالات الطارئة. إلا أن هذا النشاط لم يعد يشكل ظاهرة اقتصادية مؤثرة، بل بات هامشيًا مقارنة بسنوات سابقة.
في المحصلة، يظهر أن تهريب المحروقات بين لبنان وسوريا لم ينتهِ، لكنه خسر مقومات استمراريته: فرق السعر، ندرة الوقود، وشبكات الحماية. وبين توازن الأسعار وتحسّن التوفر، بات التهريب خيارًا أقل جاذبية، في انتظار ما ستفرضه المرحلة المقبلة من سياسات وضبط فعلي للحدود.