عين العرب من الهامش إلى مركز التحول

2026.02.05 - 09:24
Facebook Share
طباعة

 عاد اسم عين العرب، المعروفة أيضاً باسم كوباني، إلى صدارة المشهد السوري خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها عقدة جغرافية وإدارية بالغة الأهمية تعيد ربط محافظة حلب بمناطق الجزيرة السورية وشرق نهر الفرات. وجاءت الزيارة الأخيرة لقائد الأمن الداخلي في حلب، على رأس وفد أمني رسمي، إلى المنطقة في سياق البدء بتطبيق الاتفاق المبرم مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لتضع المدينة مجدداً في قلب تحوّل إداري وأمني لافت، عنوانه إعادة مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قسد” إلى الجغرافيا الإدارية للدولة السورية، واستعادة محافظة حلب حضورها الكامل في كامل نطاقها الإداري.


الموقع الجغرافي والأهمية الإدارية
تمثّل عين العرب المنطقة الإدارية الحادية عشرة ضمن محافظة حلب، وتكتسب خصوصيتها من موقعها الجغرافي الفريد شرق نهر الفرات. فهي المنطقة الوحيدة التابعة لمحافظة حلب الواقعة على الضفة الشرقية للنهر عند دخوله الأراضي السورية قادماً من تركيا. هذا الموقع منحها أهمية استراتيجية استثنائية، وجعلها بوابة طبيعية تصل بين ريف حلب الشمالي الشرقي وعمق الجزيرة السورية، وعموم مناطق شرق الفرات.

ولا تتوقف أهمية عين العرب عند بعدها الجغرافي، بل تتعداها إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وطبيعية، جعلتها تاريخياً من أكثر مناطق محافظة حلب تمايزاً. فإلى جانب موقعها، تتمتع المنطقة بأراضٍ زراعية خصبة، وموارد مائية، وتركيبة سكانية متنوعة. ومع بدء خطوات تنفيذ الاتفاق الأخير، تعود عين العرب لتؤدي دوراً محورياً في إعادة رسم العلاقة بين حلب والجزيرة السورية، ليس فقط على مستوى الخرائط الإدارية، بل أيضاً ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تنظيم الحضور الاقتصادي والاجتماعي للدولة في شرق الفرات.


الخصائص الطبيعية والتاريخية
تتميز منطقة عين العرب بتضاريس سهلية شبه متموجة، ترتفع تدريجياً باتجاه الشمال حتى سفوح منطقة سروج داخل الأراضي التركية، بمتوسط ارتفاع يقارب 500 متر فوق سطح البحر، ثم تنخفض جنوباً باتجاه مجرى نهر الفرات. ويتخلل هذا الامتداد عدد من التلال البركانية القديمة، أبرزها تل مشتنور، إضافة إلى تلال أثرية وصنعية مثل تل شعير وتل غزال، وهي مواقع تحمل دلائل واضحة على استيطان بشري يعود إلى العصور الحجرية والبرونزية، ما يعكس قِدم الحضور الإنساني في المنطقة وأهميتها التاريخية المبكرة.

يشكّل نهر الفرات الحد الجنوبي الأبرز للمنطقة، وهو العامل الطبوغرافي الرئيسي الذي منحها خصوبتها واستقرارها السكاني عبر قرون طويلة. كما تنتشر فيها أودية موسمية مثل وادي سروج ووادي صرين، التي تجري فيها المياه شتاءً وتتحول إلى مجارٍ جافة خلال فصل الصيف.

وتُعدّ تربة عين العرب من أجود أنواع الترب الرسوبية في شمال سوريا، إذ تتكوّن أساساً من تربة لومّية طينية غنية بالعناصر العضوية. وقد جعل ذلك المنطقة بيئة مناسبة لزراعات متنوعة، حيث تنتشر في القرى الشمالية والغربية أشجار الزيتون والرمان والتين والكروم واللوز والسماق، في حين تغطي زراعات الحبوب الموسمية مثل القمح والشعير، إلى جانب البقوليات كالعدس والفول والكمون، السفوح والمناطق الجنوبية.


الموارد المائية والمساحة
تبلغ المساحة الإجمالية لمنطقة عين العرب نحو 273 ألف هكتار، أي ما يعادل 2730 كيلومتراً مربعاً. وكانت المنطقة تُعدّ تاريخياً وفيرة بالمياه، بفضل توفر مصادر مائية سطحية وجوفية، غير أن الاستغلال المفرط والتغيرات المناخية أسهما في تراجع هذه الموارد ونضوب أجزاء منها.

ولا تزال بعض المعالم الطبيعية شاهدة على هذا التراجع، ومن أبرزها بحيرة عين العرب الصغيرة، الواقعة على بعد نحو كيلومتر واحد غربي المدينة، والتي كانت تتغذى من عدة ينابيع أهمها عين مرشد. وقد جرى في مراحل سابقة صرف مياه البحيرة واستصلاح قاعها، واستخدام مياهها لري مزارع سهل سروج الشرقي ولسقاية الحيوانات. وكانت البحيرة تجف أحياناً في نهاية فصل الصيف، كما حفرت بجوارها بئر لتغذية جزء من شبكة مياه الشرب في المدينة.


التقسيم الإداري والتركيبة السكانية
تضم منطقة عين العرب أربع نواحٍ رئيسية هي: مركز عين العرب، صرين، الجلبية، والشيوخ التحتانية. كما تضم ما بين 360 و384 قرية صغيرة. ويشكّل الأكراد الغالبية السكانية في مركز المنطقة، أي مدينة عين العرب نفسها، إلى جانب أقليات من العرب والتركمان. في المقابل، يشكّل العرب الغالبية السكانية في نواحي المنطقة، ولا سيما في ناحيتي صرين والشيوخ، ما يعكس تنوعاً سكانياً واجتماعياً ممتداً عبر كامل الجغرافيا الإدارية.


أصل التسمية: روايات تاريخية متعددة
في ما يتعلق بتسمية المدينة، أوضح الكاتب والمحلل السياسي يونس العيسى أن اسم عين العرب يعود إلى التسمية العثمانية “عرب بينار”، والتي تعني “عين العرب” أو “نبع العرب”. ووفق مراجع تاريخية، يشرح العيسى أن الشركة الألمانية للسكك الحديدية قررت في مطلع القرن العشرين إنشاء ما عُرف بـ”خط برلين – بغداد”، بهدف ربط أوروبا بالخليج العربي.

وبحسب العيسى، مرّ الخط في جزئه الآسيوي من محطة حيدر باشا في إسطنبول، ثم عبر مدن تركية عدة وصولاً إلى الأراضي السورية ضمن محافظة حلب، من جهة مدينة جرابلس غرب الفرات، ثم إلى شرق النهر. وكانت المنطقة المحاذية للفرات من جهته الشرقية، قرب الحدود التركية، غير مأهولة بالسكان عام 1912، بل تُستخدم كممر ومستراح للعشائر العربية لوجود نبع ماء فيها، فسُميت “نبع العرب”، أو Arap Pinar بالتركية، و”كانيا عربان” بالكردية، وكلها تعني المعنى نفسه.

ويضيف العيسى أن العاملين في الشركة الألمانية استوطنوا الموقع لاحقاً، وبُني فيه مقر للشركة ومساكن للعمال، وأطلقوا عليه اسم Company (كومباني)، الذي تحوّر محلياً مع الزمن إلى “كوباني”. ويشير إلى أن المدينة لم تكن مأهولة قبل عام 1912، وأن الأكراد يفضلون اليوم استخدام اسم “كوباني”، ويتهمون النظام السابق بمحاولة تعريب الاسم، على غرار ما حدث في مناطق كردية أخرى.


الواقع الاقتصادي والاجتماعي
اقتصادياً، يوضح الكاتب والمحلل السياسي وابن المدينة علي تمي أن المنطقة كانت تعتمد بصورة أساسية على الزراعة، إلا أن التحولات التي شهدتها بعد عام 2015 دفعت عدداً كبيراً من الشباب إلى الانضمام إلى وحدات حماية الشعب و”قسد” بحثاً عن مصادر دخل، في ظل تراجع النشاط الزراعي وندرة فرص العمل، ما جعل شريحة واسعة من السكان تعتمد على مصادر دخل خارجية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يصف تمي مجتمع عين العرب بأنه مجتمع محافظ ذو بنية عشائرية، تربط بين مكوّناته صلات قرابة ممتدة، مع حضور واضح للثقافة الكردية التقليدية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ازداد انخراط أبناء المنطقة في التعليم، وبدأ المجتمع يشهد تحولات تدريجية نحو التحضر. دينياً، يشير تمي إلى التزام المجتمع بالعادات الإسلامية التقليدية، لافتاً إلى محاولات حزب العمال الكردستاني إدخال مفاهيم ماركسية إلى البيئة الاجتماعية، ما انعكس، بحسب رأيه، على بنية الأسرة وتماسكها.


عين العرب في سياق الثورة السورية
في سياق الثورة السورية، يقول تمي إن أبناء كوباني شاركوا منذ الأيام الأولى في الحراك الثوري، ودخلوا في صدام مع حزب الاتحاد الديمقراطي الذي سيطر على مركز المنطقة، كما فعل في مناطق أخرى، بدعم من النظام المخلوع الذي سعى إلى تحييد المناطق الكردية عن الثورة.

وبحسب مصادر محلية، شارك عدد من أبناء عين العرب، من الكرد والعرب، في المظاهرات السلمية منذ بدايات الحراك، والتحق بعضهم لاحقاً بفصائل من الجيش السوري الحر عام 2012. إلا أن المشهد تغيّر مع ظهور تنظيم “داعش” أواخر عام 2013، حيث باتت أولوية كثيرين هي الدفاع عن المنطقة.

وفي هذا السياق، برز دور حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية، الذي قدّم نفسه بوصفه حامياً للمنطقة، وانضم عدد من الشبان إلى تشكيلات عسكرية مختلفة، من بينها “كتائب شمس الشمال”، التي أصبحت لاحقاً جزءاً من تشكيلات انضوت ضمن “قسد” بدعم من التحالف الدولي.


المعركة مع تنظيم داعش وتداعياتها
مع انطلاق المعركة ضد تنظيم “داعش” من عين العرب، قدّم التحالف الدولي دعماً جوياً مكثفاً تجاوز 400 غارة، أسهم في منع التنظيم من السيطرة على المدينة. غير أن مصادر محلية تشير إلى أن المدينة لم تحظَ لاحقاً باهتمام خدمي وتنموي كافٍ، إذ تركزت أولويات “قسد” على الجوانب العسكرية والأمنية، مقابل تراجع واضح في الخدمات العامة والبنى التحتية.


الانقسامات الاجتماعية وملف ناحية الشيوخ
عانت منطقة عين العرب، ولا سيما ناحية الشيوخ، من إشكالات اجتماعية معقدة تعود جذورها إلى ما قبل عام 2011. ويشير يونس العيسى إلى أن النظام المخلوع عمل عبر حزب البعث والأجهزة الأمنية على تأجيج التوتر بين العرب والكرد، مستخدماً مقاربات مشابهة لما حدث في محافظة الحسكة عام 2005.

ومع ظهور تنظيم “داعش”، انضم بعض أبناء ناحية الشيوخ إلى صفوفه، وتعرض ريف عين العرب لانتهاكات واسعة. وبعد تدخل التحالف الدولي واعتماد “قسد” كقوة برية، جرى تهجير واسع لأهالي ناحية الشيوخ، وهو ما يصفه العيسى بأنه “عقاب جماعي”، مشيراً إلى أن عدد المهجرين تجاوز 60 ألف نسمة، ولا يزال كثير منهم يقيمون في مخيمات في منبج وجرابلس.


عين العرب عند مفترق طرق
تبدو عين العرب اليوم أكثر من مجرد منطقة حدودية أو عقدة جغرافية، فهي مساحة تختزن تاريخاً معقداً من التنوع والصراع والتداخل الاجتماعي. ومع بدء تنفيذ الاتفاق الأخير وعودة الحديث عن حضور الدولة السورية، تقف المنطقة عند مفترق طرق جديد، قد يفتح الباب أمام إعادة وصل ما انقطع إدارياً واقتصادياً واجتماعياً بين حلب وشرق الفرات.

ولا يقتصر هذا الوصل على إعادة رسم الحدود الإدارية، بل يتطلب معالجة الملفات الاجتماعية العالقة، وإعادة بناء الثقة بين المكونات المحلية، وتهيئة الظروف لعودة المهجرين، وإحياء القطاعات الخدمية والاقتصادية. وبين روايات متعددة للماضي القريب وتطلعات حذرة للمستقبل، تبقى حقيقة واحدة واضحة: أن استقرار عين العرب مرهون بقدرة جميع الأطراف على تجاوز إرث الانقسام، ووضع مصلحة السكان وحقهم في الأمن والعودة والاستقرار في صدارة الأولويات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3