تدخل محافظة الحسكة مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث، مع تسارع خطوات تنفيذ التفاهمات التي أعادت رسم ملامح المشهد الأمني والإداري في واحدة من أكثر المناطق السورية تعقيدًا. ففي وقت تتقدّم فيه الإجراءات الميدانية بوتيرة واضحة، لا تزال الملفات السياسية والإدارية تراوح مكانها، وسط حذر شعبي وترقّب لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة.
التحوّل الأبرز تمثّل في دخول قوى أمنية حكومية إلى مدن رئيسية في المحافظة، في خطوة غير مسبوقة، عكست بداية انتقال فعلي نحو ترتيبات جديدة فرضتها المتغيرات العسكرية الأخيرة. هذا الحضور الأمني ترافق مع إجراءات تهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة التوتر، في ظل تفاهمات أُنجزت بعد مواجهات أنهكت المنطقة وغيّرت موازين السيطرة.
ترتيبات ميدانية تتقدّم
على الأرض، جرى نشر وحدات أمنية حكومية داخل مدينة الحسكة، تلتها تحركات مماثلة في القامشلي، ضمن خطة متدرجة تهدف إلى إعادة تنظيم المشهد الأمني داخل المراكز الحضرية. هذه الخطوة سبقتها تهدئة شاملة ووقف للاشتباكات، ما فتح الباب أمام إجراءات أكثر حساسية، شملت إعادة توزيع الحواجز، وتقليص الوجود العسكري داخل المدن.
وتتجه الترتيبات الحالية نحو سحب السلاح الثقيل من الأحياء السكنية، وإسناد مهام حفظ الأمن إلى قوى مشتركة، في محاولة لتقليل الاحتكاك المسلح وتخفيف العبء عن المدنيين. كما يجري التحضير لخطوات لاحقة تتعلق بإعادة هيكلة القوى العسكرية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، في مسار لا يخلو من التعقيدات السياسية والعسكرية.
الملف الإداري.. عقدة المرحلة
رغم التقدم الميداني، يبقى الملف الإداري أحد أبرز نقاط الخلاف. فمسألة إدارة محافظة الحسكة لم تُحسم بعد بشكل رسمي، ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة وتسريبات متناقضة حول هوية المحافظ الجديد. هذا الغموض يعكس حجم التباين بين الأطراف المعنية، ويؤشر إلى أن التفاهمات الأمنية لم تُترجم بعد إلى توافق سياسي كامل.
في الشارع، يتعامل السكان مع هذا الجدل بكثير من الحذر. فالتجارب السابقة جعلت الثقة محدودة بأي تغيير إداري لا يرافقه تحسن ملموس في الواقع الخدمي والمعيشي. وبينما يُنظر إلى أي توافق سياسي محتمل كخطوة إيجابية، إلا أن غياب القرارات الرسمية يترك المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.
حراك عسكري يثير التساؤلات
بالتوازي مع التغييرات الداخلية، تشهد مناطق عدة في ريف الحسكة تحركات لافتة لقوات أجنبية، تمثلت بإعادة تموضع قوافل عسكرية ونقل معدات بين قواعد مختلفة. هذه التحركات أثارت تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الأجنبي في المنطقة، وما إذا كانت تمهيدًا لانسحاب جزئي أم إعادة انتشار تتماشى مع الواقع الجديد.
ويأتي هذا الحراك في توقيت حساس، بالتزامن مع بسط نفوذ أمني حكومي أوسع، ما يعزز فرضية إعادة ترتيب للأدوار العسكرية بما يتلاءم مع التفاهمات المستجدة، دون أن تتضح الصورة النهائية بعد.
الاقتصاد والخدمات… إشارات متباينة
اقتصاديًا، لم تتوقف عمليات نقل النفط من حقول جنوب الحسكة باتجاه المصافي، ما يشير إلى استمرار تدفق الموارد رغم التغيرات السياسية والأمنية. في المقابل، يعاني السكان من تفاوت واضح في مستوى