دمشق الجديدة: إنجازات دولية وأزمات داخلية

2026.02.04 - 08:27
Facebook Share
طباعة

 بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، تبدو سوريا اليوم وكأنها تقف على مفترق طرق حاسم. الدولة التي خرجت بسرعة من العزلة الدولية وحصدت دعمًا سياسيًا وماليًا غير مسبوق، ما تزال تواجه تحديات داخلية جسيمة بين منطق السلطة الصلبة ومنطق الدولة الجامعة.

يُظهر تقرير حديث لمجلة فورين أفيرز مفارقة المرحلة السورية الحالية: فالقيادة الجديدة، التي وصلت إلى دمشق بعد سقوط الأسد، نجحت في تحقيق اختراقات دبلوماسية لافتة، لكنها في الوقت نفسه بدأت تنتج نظام حكم محدود الأفق، يثير مخاوف واسعة لدى السوريين من مختلف الانتماءات.

على مدار عام كامل، حقق أحمد الشرع ما كان يبدو مستحيلاً: لم يسقط النظام الديكتاتوري السابق فحسب، بل أقنع عواصم الدول الغربية والعربية ببدء رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وتأمين مليارات الدولارات للاستثمار، والانضمام إلى التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة. هذه المكاسب الدبلوماسية، رغم أهميتها، لم تُترجم إلى استقرار داخلي ملموس بعد.

فالصفات نفسها التي مكنت هيئة تحرير الشام من الوصول إلى السلطة كانت، بعد مرور عام، تعرقل جهود إعادة بناء الدولة. تركز السلطات بيد دائرة ضيقة من القادة السابقين، مما حرَم الأقليات الدينية والعرقية والأغلبية السنية من أي مشاركة فعالة في المؤسسات السياسية. التوترات وصلت ذروتها في شمال شرق سوريا، حيث كانت قوات الحكومة تنازع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية الكردية، قبل أن يتم التوصل مؤخرًا إلى اتفاق دمج جزئي بين الطرفين.

يؤكد التقرير أن الاستقرار طويل المدى يتطلب انفتاح المنظومة السياسية بشكل فعلي، وهو ما لا يزال الشرع مترددًا في تنفيذه، رغم قدرته البراغماتية على تفادي الأزمات قبل أن تتفاقم. فقد نجح في الابتعاد بجماعته عن التنظيمات الجهادية العالمية، وتوجيه جهودها نحو الانحياز الاستراتيجي للشركاء الدوليين، كما أتاح إصلاحات محدودة في إدلب قبل سقوط الأسد.


العودة إلى المجتمع الدولي
سرعة سوريا في إعادة علاقاتها الخارجية كانت مذهلة. خلال الأشهر الأولى للوصول إلى السلطة، أعادت الحكومة الجديدة التواصل مع دول معادية سابقًا مثل روسيا، وحصلت على تعهدات بالمساعدة في إعادة الإعمار من دول الخليج، وأقنعت الدول الغربية ببدء رفع العقوبات تدريجيًا.

كما نجحت الحكومة في إدارة العلاقات الصعبة مع إيران وإسرائيل بطريقة براغماتية، منعًا لأي تصعيد عسكري، ما عزز موقف دمشق الدولي وجعلها تكسب دعمًا ماليًا وسياسيًا واسعًا.


التحديات الداخلية
على الرغم من هذه المكاسب، لا تزال سوريا تواجه مشكلات جسيمة. دمج الفصائل المسلحة في الجيش الوطني الجديد لم يكتمل بعد، والسلطات المركزية لا تملك السيطرة الكاملة على القوات المسلحة، ما يعقد فرض الانضباط وأمن المواطنين.

كما استمرت الانقسامات الطائفية والسياسية، مع تسجيل حوادث عنف وإساءات أثارت غضب الأقليات. ففي الساحل السوري والسويداء، أدت تدخلات الجيش إلى سقوط مدنيين من الطوائف المختلفة، مما غذى القلق الشعبي حول طبيعة الدولة الجديدة، ومدى تمثيلها لجميع السوريين.

وفي شمال شرق سوريا، رفضت قيادات قسد الانصياع الكامل للسلطة المركزية، ما أبرز الحاجة إلى توافق سياسي حقيقي يضمن مشاركة جماعية في السلطة وتوزيع عادل للسلطة بين المكونات السورية.


المرحلة المقبلة
تواجه القيادة السورية الآن تحديًا مزدوجًا: الحفاظ على الدعم الدولي، مع ضرورة إشراك السوريين في عملية اتخاذ القرار السياسي. لا يمكن ضمان الاستقرار الداخلي إلا عبر فتح المجال السياسي للأقليات والفئات المختلفة، وتمكين مجلس الشعب من أداء دوره الحقيقي، وتحويل مؤسسات الدولة إلى هيئات تشمل الجميع، لا مجرد دائرة ضيقة من القادة السابقين لهيئة تحرير الشام.

التحديات كبيرة، إذ أن هؤلاء القادة اعتادوا على بيئة يهيمن عليها العنف، وكان الحفاظ على السلطة الصارمة هو الضمان للبقاء. لكن الاستمرار في هذا النهج قد يُكلف الحكومة شرعيتها داخليًا وخارجيًا، ويهدد ما تحقق من إنجازات دبلوماسية. المستقبل يعتمد على مدى قدرتها على إقناع السوريين بأن الدولة الجديدة تمثلهم جميعًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5