جنوب لبنان تحت ضغط عسكري متصاعد

2026.02.03 - 10:04
Facebook Share
طباعة

 شهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً لافتاً، تخللته غارات جوية وتوغّلات برية محدودة، أسفرت عن أضرار واسعة في الأحياء السكنية وتهجير عشرات العائلات، في وقت يتزامن فيه هذا التطور الميداني مع حراك سياسي وعسكري دولي متصل بالملف الأمني اللبناني.

فبعد بلدتي كفرحتى وقناريت، امتد القصف ليطال أحياء سكنية في كفرتبنيت وعين قانا في قضاء النبطية، حيث أُطلقت تهديدات بقصف مبنيين سكنيين في توقيت حساس تزامن مع خروج التلاميذ من المدارس. وبعد ساعات، نُفّذت الغارات، ما أدى إلى تضرر عشرات المنازل وتشريد عائلات، بعضها كانت قد نزحت سابقاً من البلدات الحدودية إلى مناطق اعتُبرت أكثر أمناً.

ويكتسب هذا التطور خطورته من كونه جرى دون إشعارات مسبقة للجهات الرسمية اللبنانية أو آليات التنسيق المعتمدة، الأمر الذي زاد من حجم الخسائر وأثار مخاوف من توسّع دائرة الاستهداف لتشمل عمقاً مدنياً أوسع.


غارات وعمليات متفرقة
في سياق متصل، استهدفت طائرة مسيّرة سيارة مدنية على طريق رئيسي في منطقة الزهراني، ما أدى إلى سقوط قتيل وإصابة آخر نتيجة حادث سير أعقب الغارة. كما سُجّلت إصابات إضافية إثر استهداف سيارة أخرى في قضاء صور. وعلى الحدود الجنوبية، شهدت بلدات عديسة وعيتا الشعب تفجيرات لمنازل، بعد توغّل وحدات إسرائيلية لمسافة تجاوزت الكيلومتر داخل الأراضي اللبنانية.

هذه العمليات المتزامنة تعكس نمطاً تصعيدياً متدرجاً، يعتمد على الجمع بين الغارات الجوية والتوغلات المحدودة، مع استهداف مباشر أو غير مباشر لمناطق مدنية، ما يزيد من منسوب التوتر والقلق لدى السكان.


ضغط سياسي وأمني متزامن
يترافق التصعيد الميداني مع ضغوط سياسية وأمنية متزايدة، في ظل محاولات لدفع الحكومة اللبنانية والجيش نحو خطوات إضافية تتعلق بالملف الأمني جنوب البلاد. ويُنظر إلى تكثيف الاعتداءات شمال نهر الليطاني كرسالة ضغط تهدف إلى تسريع مسارات سياسية وأمنية معلّقة.

ويأتي ذلك في وقت يقوم فيه قائد الجيش اللبناني بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة، حاملاً تصورات تتعلق بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك مناطق شمال وجنوب الليطاني، إضافة إلى المخيمات الفلسطينية. وتشمل هذه التصورات مراجعة لخطة سابقة تتعلق بجنوب الليطاني، تواجه تحديات كبيرة بسبب الاعتداءات المتواصلة، ونقص العتاد والإمكانات.


تحركات دولية على خط الجنوب
بالتوازي مع التصعيد العسكري، تُسجَّل تحركات دولية متعلقة بقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل). فمن المرتقب مع مطلع الشهر المقبل إجراء تبديلات دورية في الوحدات المشاركة، في إطار التحضير لتقليص تدريجي للقوة، تمهيداً لإنهاء مهمتها بنهاية العام الجاري.

غير أن هذا المسار يواجه تباينات دولية، إذ تسعى بعض الدول إلى الحفاظ على وجودها العسكري أو تعزيزه، خلافاً للتوجه نحو التقليص. وتشمل هذه التحركات مساعي لتوسيع المشاركة في القوات البرية أو البحرية، إلى جانب إنشاء أو تطوير مراكز لوجستية، لا سيما في مناطق جنوبية حساسة.

كما تُبحث ترتيبات جديدة تتعلق بإعادة انتشار القوات داخل منطقة العمليات، تشمل إغلاق بعض المواقع الفرعية الصغيرة، وتركيز الوجود في مراكز قيادية أكبر، في محاولة لرفع الجاهزية وتقليص المخاطر.


دور «اليونيفل» وحدود التأثير
رغم الانتقادات المتكررة لأداء «اليونيفل» وحيادها المحدود في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، لا تزال القوة الدولية تؤدي دور الشاهد الميداني على التطورات. وقد ساهمت مؤخراً في توثيق حادثة استخدام مواد كيميائية على طول الخط الأزرق، عبر جمع عينات بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لفحص طبيعتها وتأثيراتها المحتملة.

وحذّرت الجهات المعنية من انعكاسات هذه المواد على الأراضي الزراعية، وعلى إمكانية عودة المدنيين إلى منازلهم ومصادر رزقهم، ما يضيف بعداً بيئياً وإنسانياً إلى التصعيد العسكري القائم.


مشهد مفتوح على التصعيد
في المحصلة، يبدو جنوب لبنان أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الاعتداءات العسكرية مع الضغوط السياسية والتحركات الدولية. فاستمرار الغارات والتوغلات، مقابل عجز واضح عن تثبيت تهدئة مستقرة، ينذر بتوسيع رقعة التهجير وتعميق الأزمة الإنسانية، في وقت تزداد فيه التعقيدات الإقليمية والدولية المحيطة بالملف اللبناني.

ومع غياب أفق سياسي واضح يضع حداً للتصعيد، تبقى المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء محدود للتوتر، أو انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع، ستكون كلفتها عالية على المدنيين والاستقرار الهش في الجنوب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9