تعقيدات ميدانية تعرقل تنفيذ اتفاق دمشق وقسد في عين العرب

2026.02.02 - 09:06
Facebook Share
طباعة

 يبدو تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والتفاهمات الأمنية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية أكثر تعقيدًا في مدينة عين العرب (كوباني) مقارنة بمناطق أخرى في شمال شرقي سوريا، وعلى رأسها محافظة الحسكة، حيث لم يشهد انتشار القوات الحكومية الانسيابية نفسها، وبقيت السيطرة حتى الآن جزئية ومحدودة النطاق.

وعلى الرغم من وصول القوات الأمنية السورية إلى محيط مدينة عين العرب، فإنها لم تبدأ بعد انتشارًا فعليًا داخل مركز المدينة، في ظل تحديات ميدانية وأمنية معقدة ترتبط بطبيعة المنطقة وأهميتها الاستراتيجية لقوات سوريا الديمقراطية.

ووفق المعطيات الميدانية، وصلت القوات الحكومية إلى ناحية الشيوخ الواقعة ضمن مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، إلا أن المسافة الفاصلة بينها وبين مركز مدينة عين العرب لا تزال قائمة، ما يعكس بطئًا واضحًا في خطوات تنفيذ الاتفاق مقارنة بما جرى في الحسكة.

وأفادت معلومات أمنية بأن القوات السورية تسلمت ثلاث نقاط فقط من أصل عشر نقاط كان من المفترض تسلمها خلال اليوم ذاته، وهو ما يشير إلى أن تطبيق الاتفاق في عين العرب لم يتم بالسلاسة المتوقعة، في ظل عراقيل ميدانية وأمنية حالت دون استكمال الانتشار المخطط له.


ألغام وتعقيدات أمنية
تواجه القوات الأمنية السورية تحديات كبيرة في محيط عين العرب وداخل المناطق المجاورة لها، أبرزها انتشار الألغام التي خلفتها قوات سوريا الديمقراطية قبل انسحابها من بعض المواقع. وتشير المعطيات إلى أن هذه الألغام تنوعت بين فردية وأخرى مخفية بأساليب معقدة، ما جعل عملية التمشيط والتأمين بطيئة ومحفوفة بالمخاطر.

وللتعامل مع هذا الواقع، يعمل سلاح الهندسة في الجيش السوري بوتيرة مكثفة على تمشيط الطرق الرئيسية وتأمينها، في محاولة لإزالة الألغام وفتح الممرات الآمنة أمام القوات، إلا أن هذه العمليات تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، ما ينعكس مباشرة على سرعة الانتشار داخل المدينة.


خلفية عسكرية ضاغطة
على الصعيد العسكري، سبقت الهدنة عمليات ميدانية واسعة نفذها الجيش السوري، تمكن خلالها من تضييق الخناق بشكل كبير على قوات سوريا الديمقراطية في محيط عين العرب. وقد سيطر الجيش على ما يعرف بـ"رأسي المثلث"، إضافة إلى إحكام السيطرة على خطوط الدفاع الأولى التي كانت قوات "قسد" قد أنشأتها حول المدينة.

هذا التقدم العسكري شكّل ضغطًا مباشرًا على قوات سوريا الديمقراطية، لكنه في الوقت نفسه جعل من عين العرب نقطة تركّز رئيسية لقواتها، ما زاد من تعقيد المشهد بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.


أهمية عين العرب لقسد
تمثل مدينة عين العرب أهمية استثنائية لقوات سوريا الديمقراطية، إذ تُعد المعقل الرئيسي الذي انطلقت منه هذه القوات، وتحمل رمزية عسكرية وسياسية كبيرة ضمن بنيتها التنظيمية. ولهذا السبب، تُظهر "قسد" حذرًا شديدًا في التعامل مع تنفيذ الاتفاق داخل المدينة مقارنة بمناطق أخرى.

وتشير المعطيات إلى أن القوات التابعة لـ"قسد" التي انسحبت سابقًا من مناطق عين عيسى، وريف الرقة الشمالي، وسجن "الأقطان"، توجهت جميعها إلى عين العرب، ما يعني وجود كثافة عسكرية كبيرة داخل المدينة. هذا التركز يفسر حالة التعقيد الشديد التي تطغى على المشهد، ويجعل أي عملية انتشار أو تسليم نقاط أكثر حساسية وتعقيدًا.


مقارنة مع الحسكة
في المقابل، شهدت محافظة الحسكة تنفيذًا أكثر سلاسة للاتفاق، حيث دخلت وحدات من وزارة الداخلية السورية إلى المدينة للمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. كما يُنتظر أن تتسلم القوات الحكومية مطار القامشلي، في خطوة تعكس تقدمًا ملموسًا في تطبيق بنود الاتفاق هناك.

ويعكس هذا التفاوت بين الحسكة وعين العرب اختلافًا في الواقع الميداني والتوازنات العسكرية، إضافة إلى اختلاف الأهمية الاستراتيجية لكل منطقة بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية.


اتفاق هش وتنفيذ تدريجي
تأتي هذه التطورات في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والذي يتضمن تفاهمًا على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين. ويهدف الاتفاق إلى إعادة ترتيب الوضع الأمني والعسكري في شمال شرقي البلاد، بعد فترة من التوتر والاشتباكات.

وكان الاتفاق قد جاء عقب عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، تمكن خلالها من استعادة مناطق واسعة في الشرق والشمال الشرقي، إثر خروقات قالت الحكومة إن "قسد" ارتكبتها بحق اتفاقات سابقة.


مشهد مفتوح على الاحتمالات
حتى الآن، لا يزال تنفيذ الاتفاق في عين العرب يراوح مكانه بين التقدم المحدود والتعثر الميداني، وسط مخاوف من أن يؤدي بطء الانتشار أو أي خرق أمني إلى تعقيد المشهد أكثر. وتبقى المدينة واحدة من أكثر النقاط حساسية في خارطة شمال شرقي سوريا، حيث تتقاطع الاعتبارات العسكرية والسياسية والأمنية بشكل يجعل أي خطوة فيها محكومة بحسابات دقيقة.

وفي ظل استمرار عمليات التمشيط وإزالة الألغام، يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت عين العرب ستشهد خلال الأيام المقبلة انفراجًا مشابهًا لما حدث في الحسكة، أم أنها ستبقى العقدة الأبرز في مسار تنفيذ اتفاق دمشق وقسد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6