تمدد الجيش الإسرائيلي في جنوب سوريا: تحولات استراتيجية غير مسبوقة

2026.02.02 - 06:37
Facebook Share
طباعة

 شهدت الأراضي السورية الجنوبية تحولات كبيرة في الوجود العسكري الإسرائيلي منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية والتحليلات الميدانية تغييرات جذرية في خريطة السيطرة والتحصين العسكري على الأرض.

تشير النتائج إلى أن الجيش الإسرائيلي بسط سيطرته على مساحة تبلغ نحو 235 كيلومتراً مربعاً داخل المنطقة العازلة، مع تسجيل أكثر من 800 نقطة توغل داخل العمق السوري، ووصل أحد هذه التوغلات إلى مسافة 20 كيلومتراً فقط من العاصمة دمشق، ما يعكس نمطاً جديداً من الوجود العسكري خارج حدود الإعلان الرسمي عن السيطرة.

وتجاوزت القوات الإسرائيلية خط "ألفا"، وهو الحد الفاصل بين الأراضي الإسرائيلية والمنطقة العازلة، لتتقدم داخل الأراضي السورية وصولاً إلى خط "برافو"، ما يشكل خرقاً لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.


التوغل والتحصين الدائم
لم يقتصر التوغل الإسرائيلي على السيطرة المؤقتة، بل انتقل بسرعة إلى مرحلة التثبيت والبنية التحتية العسكرية الدائمة. فقد تم إنشاء تسع نقاط عسكرية ثابتة، وتحويل مناطق التقدم إلى مواقع تمركز دائمة، مع تعزيزها بتحصينات واسعة، وهو ما يعكس تحركاً من منطق الانتشار الميداني إلى فرض بنية عسكرية طويلة الأمد.

وتعتبر نقطة جبل الشيخ على قمته من أهم النقاط الاستراتيجية، حيث توفر مرتفعات الجولان قدرة واسعة على الرصد والمراقبة، بما في ذلك الإشراف على وادي نهر الأردن، منطقة الجليل غرباً، والمداخل الشرقية المؤدية إلى دمشق.

وبالتوازي مع النقاط العسكرية، بلغ إجمالي طول التحصينات الدفاعية التي أنشأها الجيش الإسرائيلي أكثر من 32 كيلومتراً، امتدت أجزاء كبيرة منها داخل المنطقة العازلة، ووصل العمق في بعض المواقع إلى أكثر من 1200 متر، ما يعكس انتقالاً واضحاً من مجرد التحرك الميداني إلى فرض سيطرة متدرجة ومستدامة على الأرض.


السيطرة دون إعلان
تكشف التحليلات أن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا يتجاوز مناطق التمركز الثابتة، إذ تتخذ القوات شكل التوغل البرّي المتكرر والعميق داخل الأراضي السورية، دون إعلان رسمي عن السيطرة أو تغييرات في الوضع القانوني للمناطق.

 

وتشير بيانات منظمة أكليد (ACLED) إلى تسجيل أكثر من 800 نقطة توغل للقوات الإسرائيلية في العمق السوري، منذ سقوط نظام الأسد وحتى منتصف يناير/كانون الثاني 2026، أبرزها:
توغل بعمق 63 كيلومتراً داخل حرش الجبيلية في ريف محافظة درعا.
توغل بعمق 34 كيلومتراً باتجاه مدينة الكسوة بريف دمشق، لتصبح القوات على بعد 20 كيلومتراً فقط من العاصمة.
وصول نقاط التوغل في مسار جنوبي آخر إلى مسافة 22 كيلومتراً من مدينة السويداء.

يعكس هذا النمط ما يمكن وصفه بـ"السيطرة دون سيطرة"، أي وجود فعلي على الأرض مع تحكم أمني متغير، دون إعلان رسمي بالاحتلال أو التثبيت الإداري.


تهيئة الأرض للبنية العسكرية
تُظهر صور الأقمار الصناعية إزالة الجيش الإسرائيلي للغطاء النباتي الكثيف حول القواعد العسكرية وعلى جانبي الطرق الرئيسية، بما في ذلك الطريق رقم 7، وذلك لزيادة الرؤية والمراقبة وتقليص فرص الاقتراب غير المرصود. كما شملت هذه الأعمال اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي الزراعية.

وبالإضافة إلى ذلك، أنشأ الجيش موانع أرضية وسواتر ترابية على الطرق المؤدية إلى القواعد، ما يفرض مسارات وصول محددة ويعزز التحكم في محيط القواعد. تُظهر هذه الإجراءات أنها جزء من منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الجغرافيا العسكرية بهدف فرض حضوره طويل الأمد، سواء تم الإعلان عنه أم لا.


التنسيق مع دمشق وآليات الاتصال
في 6 يناير/كانون الثاني 2026، اتفقت سوريا وإسرائيل على تشكيل آلية اتصال بإشراف أمريكي لتنسيق تبادل المعلومات، خفض التصعيد العسكري، وتعزيز الانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية. ومع ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي عمليات التوغل البرّي، القصف، الاعتقالات، ونصب الحواجز داخل الأراضي السورية، مما يعكس استمرار سياسة "السيطرة دون إعلان".


الأهمية الاستراتيجية للمواقع
تشير التحليلات إلى أن المواقع التي اختارتها إسرائيل ليست عشوائية، بل لها أولوية إستراتيجية واضحة. فاختيار مرتفعات جبل الشيخ ومناطق أخرى يتيح مراقبة واسعة للمنطقة، التحكم بالمداخل الرئيسية، والسيطرة على مسارات حيوية، مع توفير القدرة على الردع والاستجابة السريعة لأي تهديد محتمل.

هذا التوسع والتحصين الدائم يشير إلى إعادة صياغة كاملة للجغرافيا العسكرية في جنوب سوريا، ويضع الدولة السورية أمام تحديات أمنية معقدة، في وقت تستمر فيه المفاوضات الدولية للحد من التصعيد وحماية المدنيين، دون أن يوضح بعد ما إذا كانت هذه السيطرة ستترسخ كأمر واقع طويل الأمد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9