شهدت سوريا خطوة تاريخية غير مسبوقة مع توقيع اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، إذ يمثل هذا الاتفاق المرة الأولى في تاريخ الدولة السورية التي يتم فيها الإقرار رسمياً بوجود المناطق الكوردية وخصوصيتها الجغرافية والثقافية.
الاتفاق، الذي تم الإعلان عنه نهاية كانون الثاني 2026، أثار ردود فعل واسعة على المستوى السياسي والشعبي، حيث اعتبره الكثيرون مكسباً تاريخياً للكورد في سوريا، ويشكل تحولاً ملموساً في تعامل الدولة مع هذا الملف الذي ظل لفترات طويلة يثير جدلاً واسعاً.
ويؤكد المراقبون أن هذا الاتفاق ليس مجرد ورقة سياسية، بل يحمل مضامين استراتيجية تشمل الاعتراف بالهوية الكوردية، وتأكيد حق اللغة الكوردية في الدراسة والتعليم، إلى جانب السماح بتشكيل ألوية عسكرية كردية، وهو ما يعكس تحولا في طريقة تعامل الدولة مع الكورد بعد عقود من الإغفال والتهميش.
وبحسب المتابعين، فإن الأهمية الكبرى للاتفاق تكمن في الاعتراف الرسمي بـ"الجغرافيا الكوردية"، التي كان يُنظر إليها سابقاً فقط في سياق اللجوء أو كأقليات دون حقوق واضحة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة فتح باب نحو الاعتراف بحقوق الكورد السياسية والاجتماعية والثقافية داخل سوريا.
كما يشير الخبراء إلى أن إدراج بنود الاتفاق في الدستور السوري يعد الخطوة الحاسمة لضمان استمرار هذه المكتسبات. فبدون تثبيت هذه البنود دستورياً، قد تبقى الحقوق الممنوحة عرضة للتأجيل أو الإلغاء في المستقبل. ويعتقد المحللون أن مثل هذه الخطوة تعزز الاستقرار السياسي في المناطق الكوردية وتساهم في إدامة وقف إطلاق النار، مع تقليل المخاطر المرتبطة بالتوترات الديموغرافية أو النزاعات المحلية.
ويعتبر الاتفاق أيضاً مؤشرًا على الاهتمام الدولي بالقضية الكوردية في سوريا، حيث يتابع المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة وفرنسا، تنفيذ بنود الاتفاق لضمان حقوق الكورد وحفظ الأمن والاستقرار في المناطق الشمالية والشرقية. ويؤكد المراقبون أن وحدة الكلمة الكوردية في كل أنحاء المنطقة تشكل "ورقة ضغط" استراتيجية في المفاوضات مع دمشق.
في السياق ذاته، يرى البعض أن الإدارة الذاتية هي الخيار الأكثر واقعية لإدارة المناطق الكوردية ضمن سوريا الحالية، خاصةً في ظل رفض دولي لفكرة الفدرالية أو الاستقلال الكامل، مما يجعل من الإدارة الذاتية نموذجاً عملياً لإدارة شؤون المنطقة بحرية نسبية، مع الحفاظ على سيادة الدولة السورية.
ويشير محللون إلى أن الاتفاق يحمل رمزية كبيرة تتجاوز الجانب العسكري والسياسي، فهو يعكس الاعتراف بحق المواطنة والحقوق المدنية للكورد، بما في ذلك الحق في التعليم واللغة والجنسية. فالتاريخ السوري الطويل شهد حرمان الكورد من هذه الحقوق الأساسية، وكانت مطالبهم تظل مهمشة لفترات طويلة.
كما أن الاتفاق يمثل خطوة في تطور القضية الكوردية على مستوى الرؤية الاستراتيجية، إذ يظهر الآن أن الكورد يشكلون قوة سياسية وعسكرية معتبرة في شمال سوريا، مع القدرة على حماية مصالحهم وممارسة دورهم في إدارة مناطقهم. وتؤكد التحليلات أن هذا الاعتراف الرسمي يضع الدولة أمام مسؤولية تاريخية لضمان تنفيذ بنود الاتفاق بشكل فعّال ومستدام.
ومع ذلك، يرى المتابعون أن هناك تحديات قائمة، أبرزها غياب نسخة رسمية من الاتفاق حتى الآن، حيث يتم تداول معلومات عن نقاطه المختلفة دون وجود نص موثق ومتفق عليه. هذا الغموض يثير مخاوف حول إمكانية التطبيق الكامل للاتفاق، ويضع المجتمع أمام الحاجة لمتابعة التطورات عن كثب.
وعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، يركز الاتفاق على تعزيز الوحدة الكوردية، إذ يعتبرها خبراء خطوة حيوية في مواجهة محاولات تغيير ديموغرافي أو سياسية قد تستهدف المنطقة. وتأتي هذه الوحدة ضمن إطار مشروع أكبر لضمان استمرار الحقوق المدنية والسياسية للكورد في سوريا، مع الحفاظ على التنوع الثقافي والتعايش السلمي.
يُعد هذا الاتفاق بمثابة لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، إذ يعكس تحولات سياسية وثقافية مهمة، ويضع الأسس لمستقبل أكثر استقراراً وشمولية في المناطق الكوردية. كما أنه يوفر فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمكونات الكوردية، ويؤكد على أهمية الاعتراف الرسمي بالحقوق والهوية والثقافة لكل جماعة في البلاد.
مع استمرار متابعة تنفيذ الاتفاق، يبقى السؤال المطروح: هل سيتم إدراج بنوده بالكامل في الدستور السوري لضمان استدامتها، أم أن التحديات الداخلية والدولية قد تعرقل هذا التحول التاريخي؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، لكن الاتفاق بلا شك يمثل بداية فصل جديد في العلاقة بين الدولة السورية والمجتمع الكوردي.