في خطوة سياسية وميدانية تحمل رسائل واضحة للاحتلال، شدد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في 30 يناير/كانون الثاني 2026، على ثوابت دمشق تجاه الأراضي السورية المحتلة، لاسيما الجولان، في وقت تقول الحكومة السورية إنها استعادت سيطرة واسعة على عدة مناطق، لا سيما في الجنوب السوري والجولان.
وأكد علبي أن انخراط دمشق في المحادثات الأمنية مع "إسرائيل" لا يعني التنازل عن الحقوق السيادية للشعب السوري، مشيرًا إلى أن الاحتلال "واهم إذا اعتقد أن هذه المحادثات تمثل تنازلًا عن الحقوق السورية". وأضاف أن إسرائيل "لا تزال تحاول القيام بدور هدام عبر تحريض مكونات الشعب السوري على بعضها البعض".
كما شدد المندوب السوري على أن "الفكرة الإسرائيلية عن الحدود وجدران الحماية ليست واقعًا"، مؤكداً أن الجولان أرض سورية، وأن السيطرة العسكرية على الأراضي لا تمنح السيادة، في موقف يعكس تمسك دمشق بوحدة الأراضي السورية وحقوقها السيادية.
قراءة سياسية للتصريحات
يرى المحلل السياسي السوري باسل معراوي أن خطاب مندوب سوريا في الأمم المتحدة يعكس وعيًا رسميًا بوجود تباين بين واشنطن و"تل أبيب" في مقاربة الملف السوري. وقال معراوي في تصريحاته إن "إسرائيل تنظر إلى سوريا الجديدة كدولة ضعيفة ومفككة، ما تعتبره فرصة لفرض معادلات جديدة"، بينما ترى الولايات المتحدة أن مصالحها تتطلب "سوريا موحدة وقوية بجيش واحد وسيادة مركزية".
وأشار معراوي إلى أن واشنطن تخلت عن دعم أبرز الميليشيات المتحالفة معها في سوريا، مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ورفعت بعض العقوبات، ووقعت اتفاقيات ضمّت سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، موضحًا أن الولايات المتحدة "لن تفرّط في اللحظة السياسية التي أعادت سوريا إلى المعسكر الغربي".
وأضاف أن واشنطن ضغطت على إسرائيل لتقييد عملياتها العسكرية في الأراضي السورية، دون ربط رفع العقوبات بأي تنازلات سورية لصالح الاحتلال، ما يفسر "حدة خطاب المندوب السوري تجاه إسرائيل خلال الجلسة".
الميدان والدبلوماسية: مساران متوازيان
يرى المحلل السياسي وائل علوان أن تصريحات علبي جاءت في سياق مزدوج، الأول يتعلق بـ"استمرار التعنت الإسرائيلي سياسيًا وميدانيًا، وتكرار الاعتداءات على الأراضي السورية"، والثاني هو "الاستقرار النسبي الذي حققته الحكومة السورية بعد استعادة مناطق واسعة في الشمال والشمال الشرقي".
وأضاف علوان أن عودة هذه المناطق إلى سلطة الحكومة السورية وحصر الملفات العالقة في السويداء والعلاقة مع إسرائيل خلقا بيئة سياسية جديدة، مشيرًا إلى أن هناك "ضغطًا إقليميًا ودوليًا لدعم حق الحكومة السورية في وقف الاعتداءات الإسرائيلية ومعالجة ملف السويداء بعيدًا عن أي تدخل خارجي".
وتشير التحليلات السياسية إلى أن المسار الدبلوماسي الذي تحدث عنه المندوب السوري "يحظى بدعم إقليمي ودولي، وقد يفتح الباب أمام تفاهمات تضمن استقرار الجنوب السوري، بما في ذلك الحد من التدخلات الإسرائيلية في الأزمة المستمرة في السويداء".
توازنات القوى الجديدة
التصريحات السورية تأتي في وقت حساس على الصعيدين السياسي والميداني، حيث تقول دمشق إنها استعادت سيطرة واسعة على مساحات استراتيجية، ما يعزز موقفها التفاوضي في مجلس الأمن والدبلوماسية الدولية. ويلاحظ المراقبون أن دمشق تستخدم هذا التوقيت لإرسال رسائل واضحة إلى إسرائيل حول حدودها الحمراء، مع التأكيد على عدم التنازل عن الحقوق السيادية، وهو ما يعكس استراتيجية مزدوجة بين الميدان والدبلوماسية.
وبينما تؤكد الحكومة السورية على سيادة الدولة ووحدة أراضيها، تشير التحليلات إلى أن واشنطن تسعى للحفاظ على توازن القوة في المنطقة، مع دعم استقرار سوريا الموحدة، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية لتقليل أي تدخلات إسرائيلية محتملة.
وتبرز أهمية هذه الخطوة السورية في مجلس الأمن في وقت تسعى دمشق لتعزيز موقفها الدولي، واستثمار المكاسب الميدانية لتحقيق استقرار نسبي في الجنوب، بما في ذلك مناطق الجولان والسويداء، وفي الوقت نفسه إرسال إشارات قوية للاحتلال بأن السيادة السورية غير قابلة للتفاوض أو المساومة.
الخلاصة
تعكس تصريحات مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، موقف دمشق الثابت تجاه الجولان ووحدة الأراضي السورية، وتؤكد على سيادة الدولة وعدم قبول أي تدخلات أو محاولات لتقويض الحقوق الوطنية. ويأتي هذا الخطاب في سياق استعادة الحكومة السورية لمناطق استراتيجية، ما يعزز موقفها على الصعيد الدولي، ويبرز التوازنات الجديدة بين الميدان والدبلوماسية في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.