شهد حي الشيخ مقصود في حلب، الذي ظل تحت سيطرة وحدات حماية الشعب، دمارًا واسعًا وفقرًا عميقًا في أعقاب الاشتباكات الأخيرة مع الجيش السوري التي بدأت في 6 يناير/كانون الثاني 2026. الحي يعاني من تدهور شديد في البنية التحتية، حيث الطرق مليئة بالحفر والطين، والأسلاك الكهربائية مكشوفة، والمنازل متهالكة، فيما تبدو علامات البؤس على وجوه السكان بشكل واضح.
مسجد الشيخ حسن الواقع على أطراف الحي تحول إلى موقع قتالي، حيث أقام المقاتلون متاريس من أكياس الرمل، وحفرت داخل المبنى شبكة أنفاق بطول مئات الأمتار، تصل إلى داخل الحي، وتستخدم للتنقل وإطلاق النار ثم الانسحاب. الأنفاق، التي حفرت بصعوبة شديدة تحت صخرة صلبة، تحتوي على فخاخ وألغام، وفق ما أفاد مصدر أمني محلي.
كما تحول مستشفى الحي إلى موقع اشتباك، حيث تظهر على الجدران آثار الرصاص والقذائف، والمعدات الطبية متناثرة، والأسرة والنقالات مدمرة. ملصقات زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان ممزقة على الجدران، ما يعكس استخدام المباني العامة لأغراض قتالية.
تظهر زيارة الأحياء الأخرى في الشيخ مقصود استمرار مظاهر الفقر والإهمال. السكان يعانون من قيود وقمع شديد من قبل التنظيم، ويشير بعضهم إلى التمييز ضد العرب والمسيحيين، والاعتقالات التعسفية، بالإضافة إلى استهداف النشاط الديني، خاصة المساجد.
تغير التركيب السكاني للحي مع سيطرة وحدات حماية الشعب؛ ارتفعت نسبة الأكراد من 45٪ إلى 80٪، فيما هاجر السكان العرب والمسيحيون. بدلاً من إعادة إعمار المنطقة، استثمرت وحدات حماية الشعب الموارد في حفر الأنفاق، ما أسهم في استمرار البؤس والإهمال.
الوضع لم يقتصر على حلب، بل امتد إلى مناطق أخرى تحت سيطرة التنظيم، بما فيها الرقة ودير الزور والحسكة وكوباني والقامشلي ودير حافر، وفق مقابلات مع سكان محليين. إدارة هذه المناطق تميزت بسياسات تمييزية، واستغلال المساعدات الأمريكية وعائدات النفط والكهرباء والضرائب لمصلحة التنظيم، مع فساد واسع النطاق بلغت قيمته مليارات الدولارات.
عام 2015، انضمت بعض العشائر العربية إلى قوات سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي، بينما ظلت وحدات حماية الشعب تمثل غالبية القوات المسلحة للتنظيم. تعيين مظلوم عبدي قائدًا لقسد أدى إلى تضخيم صورة السيطرة الكردية على القوات، رغم أن الواقع كان مختلفًا، حيث لم تمتلك وحدات حماية الشعب سيطرة كاملة على العشائر.
مع اشتداد الاحتجاجات والتمردات العربية عام 2023 في دير الزور وريف حلب الشمالي، ومع ضعف تجاوب التنظيم مع مطالب العشائر، بدأ تراجع نفوذ وحدات حماية الشعب. انسحاب العشائر من قوات سوريا الديمقراطية وانضمامها إلى حكومة دمشق أدى إلى فقدان التنظيم السيطرة على مناطق واسعة بسرعة، بما فيها الرقة ودير الزور ودير حافر، ما صدم المراقبين الدوليين لكنه لم يكن مفاجئًا على الأرض.
علاقات التنظيم مع الولايات المتحدة شهدت توترًا، حيث أعلنت الأخيرة في وقت لاحق التعاون مع الحكومة السورية، ما أدى إلى شعور وحدات حماية الشعب بالخيانة وتراجع الدعم الدولي.
التحليل الميداني يشير إلى أن فشل وحدات حماية الشعب يعود إلى سوء الإدارة، الفساد، التمييز، وعدم القدرة على كسب ولاء السكان المحليين. سكان الأكراد غير الانفصاليين لم يدعموا التنظيم أيديولوجيًا، والعديد منهم عانى من سياساته الاشتراكية التي استهدفت المؤسسات الدينية والمجتمعية، ما أدى إلى انفصالهم عن الصراعات المسلحة والتنظيمية.
توضح الوقائع أن سياسات وحدات حماية الشعب وأخطائها الاستراتيجية والاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي وعدم الالتزام بالاتفاقات مع العشائر، شكلت عوامل رئيسية في فقدانها النفوذ على المناطق التي سيطرت عليها، بينما حققت الحكومة السورية وقادة محليون تحالفات استراتيجية ناجحة أعادت السيطرة على المناطق بشكل سريع.