تتكرر معاناة العائلات الليبية منذ الثورة عام 2011، إذ يظل المفقودون غير مرئيين للسلطات شرقاً وغرباً. الكثير من الأسر يعيش حالة من الانتظار واليأس نتيجة اختفاء ذويهم دون العثور على جثثهم أو إثبات وفاتهم قانونياً، ليبقى مصيرهم معلقاً بين الحزن وعدم اليقين.
أعباء غياب الشهادة القانونية:
غياب المفقودين يحرم العائلات من حقوقها الأساسية، مثل الحصول على الرواتب، إدارة الممتلكات، أو إعادة فتح الأعمال الأسر غير قادرة على ممارسة حقوقها القانونية، ولا تتلقى أي دعم حكومي، ما يزيد من معاناتها الاقتصادية والاجتماعية.
المقابر الجماعية وحجم المفقودين:
وثّقت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين نحو 300 جثة في مقابر جماعية بعد انسحاب المليشيات، بينما لا تزال عشرات الحالات مجهولة الهوية في مناطق مختلفة منذ 2019 وحتى 2020. يقدر عدد المفقودين منذ حرب 2011 بأكثر من 8 آلاف شخص، دون احتساب المختطفين قسراً أو المحتجزين في السجون السرية، ما يزيد من تعقيد الوضع القانوني والاجتماعي للعائلات.
التعقيدات القانونية وضعف التشريعات:
لا يوجد تعريف واضح للمفقود المدني في القانون، بينما يحدد القانون العسكري مصير العسكريين المفقودين بعد أربع سنوات المحاكم تعتمد في كثير من الحالات على الفتاوى الشرعية عند غياب النصوص القانونية، وقد صدرت آلاف الأحكام بموت المفقودين، معظمها بعد العثور على الجثث أو شهادة الشهود، فيما يظل المفقود بلا حكم قضائي عند عدم وجود جثة.
التسييس وحواجز المصالحة:
الملف لم يحظ بالأولوية، إذ تتجنب السلطات معالجة القضية خوفاً من كشف السجون السرية أو إشعال أزمات سياسية، فيما يزداد التعقيد بين الهيئة العامة والطب الشرعي في تحديد موت المفقود عند العثور على الجثث، ويعوق غياب التوافق السياسي جهود المصالحة الوطنية.
مسار التشريع المتعثر:
منذ إنشاء "صندوق أسر الشهداء والمفقودين" عقب ثورة فبراير 2011، ثم وزارة رعاية الأسر، وحتى قانون 2014 الذي حصر المفقودين بمن اختفوا في حرب التحرير، بقي الإطار القانوني ناقصاً، مستبعداً حالات بعد 2011. المحاولات الأخيرة لتحديث التشريعات لا تزال في مراحل أولية وتحتاج لتوافق سياسي واسع قبل طرحها على مجلس النواب.
واقع مأساوي وضرورة الحل:
يبقى المفقودون وعائلاتهم ضحايا غير مرئيين، محاصرين بين القانون المتقادم، الصراع السياسي، وسوء الإدارة. تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً، تنسيقاً بين السلطات، وتعاوناً دولياً لضمان إنصاف العائلات وإعادة الحقوق المنهوبة منذ أكثر من عقد.