لم يظهر عيدروس الزبيدي في المشهد الجنوبي نتيجة مسار سياسي تراكمي أو توافق اجتماعي واسع، وإنما تشكّل حضوره داخل فراغ الدولة وتحت منطق القوة صعوده ارتبط بانهيار المؤسسات، وتقدّم السلاح بوصفه أداة تنظيم وسيطرة، لا باعتباره وسيلة مؤقتة لفرض مشروع وطني. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الصعود من حالة عسكرية فرضتها الحرب إلى محاولة لإعادة إنتاج السلطة بصيغة سياسية، من دون أن ينجح في تجاوز الانقسامات التي قام عليها.
في هذا السياق، لم يكن مشروع الزبيدي تعبيرًا عن الجنوب بقدر ما كان انعكاسًا لاختلالاته التاريخية فبدل معالجة الشروخ الداخلية، جرى توظيفها، وبدل بناء أفق جامع، أُعيد تدوير ذاكرة الصراع بوصفها رصيد قوة لذلك فإن تتبع مساره لا يقدّموسردية صعود قائد، وإنما يكشف آليات تشكّل السلطة حين يغيب مفهوم الدولة ويتقدّم منطق السيطرة.
الفراغ الذي أعاد تشكيل السلطة:
تحوّلت الحرب في اليمن من صراع على السلطة إلى إطار دائم لإدارة المصالح نشأ اقتصاد حرب متشعب قائم على السلاح والمساعدات والجبايات والتحكم في المعابر، وبرزت داخله شبكات نفوذ عابرة للجبهات في ظل هذا الواقع، تآكل حضور الدولة، وانتقلت السلطة إلى قوى قادرة على فرض الوقائع ميدانيًا، ضمن هذا الفراغ تشكّلت الكيانات المسلحة، وكان المجلس الانتقالي أحد نتاجاته المباشرة.
التكوين في زمن الانقسام الجنوبي:
وُلد عيدروس الزبيدي عام 1967 في محافظة الضالع، متزامنًا مع لحظة تشكّل الدولة الجنوبية بعد الاستعمار البريطاني نشأ في بيئة سياسية مشحونة، وعايش مبكرًا انقسامات الجنوب العميقة، خصوصًا أحداث يناير 1986 التي حوّلت الخلاف السياسي إلى صراع مناطقي دموي. هذه المرحلة أسست لوعي سياسي يرى الخصومة الداخلية بوصفها جزءًا من معادلة السلطة.
من المؤسسة العسكرية إلى خيار السلاح:
بعد تخرّجه من كلية الطيران والدفاع الجوي، خاض الزبيدي مسارًا مهنيًا عسكريًا قصيرًا، قبل أن يتجه مبكرًا إلى العمل المسلح خارج إطار الدولة. تأسيس حركة «حتم» منتصف التسعينيات مثّل إعلانًا صريحًا لعقيدة ترى القوة الطريق الوحيد لاستعادة النفوذ، واستمر هذا الخيار حاضرًا في كل محطاته اللاحقة.
القطيعة مع العمل السياسي المدني:
لم يكن الزبيدي جزءًا من الحراك الجنوبي السلمي، ووقف خارج أدوات العمل الجماهيري التقليدية نظر إلى السلمية بوصفها مسارًا عاجزًا عن فرض التغيير، وتمسّك بالعمل العسكري حتى في لحظات الانفتاح السياسي هذا الاختيار رسّخ صورته كقائد ميداني، وحدّ في الوقت نفسه من قدرته على التحول إلى فاعل سياسي جامع.
الحرب كنافذة صعود:
مع اندلاع حرب 2015، وجد الزبيدي السياق المثالي لترجمة بنيته العسكرية إلى نفوذ فعلي. لم يكن صعوده نتيجة تفويض شعبي، وإنما حصيلة جاهزية تنظيمية ودعم إقليمي وفراغ أمني واسع برزت الضالع كنموذج أولي لهذه المعادلة، قبل نقل التجربة إلى عدن لاحقًا.
عدن بين المدينة والعقلية العسكرية:
تعيينه محافظًا لعدن جاء استجابة لأزمة أمنية أكثر من كونه خيارًا سياسيًا اصطدمت عقلية السيطرة العسكرية بطبيعة المدينة المدنية، وبرزت فجوة واضحة بين السلطة والمجتمع. الاعتماد على بنية أمنية ضيقة أعاد إنتاج حساسيات مناطقية قديمة، وأضعف قدرته على بناء قبول واسع.
من السلطة المحلية إلى مشروع موازٍ:
شكّلت إقالته من منصبه عام 2017 نقطة تحوّل حاسمة. انتقل بعدها إلى تأسيس كيان سياسي يستند إلى قوة عسكرية قائمة، وتحوّل المجلس الانتقالي إلى سلطة أمر واقع. هذا المسار عزّز نفوذه ميدانيًا، وعمّق في الوقت نفسه عزلته داخل الجنوب، خاصة في أبين وشبوة وحضرموت.
الشرعنة وتآكل النفوذ:
الدخول في اتفاق الرياض ثم مجلس القيادة الرئاسي منح الزبيدي اعترافًا سياسيًا، وقيّد حركته في المقابل. تحوّل من فاعل ميداني إلى طرف مسؤول عن إدارة أزمات معيشية وخدمية، ما ساهم في تآكل صورته ومع ظهور قوى جنوبية موازية، فقد احتكاره للسلاح وتراجع نفوذه الجغرافي.
النهاية المفتوحة لمسار القوة:
محاولات استعادة النفوذ عبر التوسع العسكري كشفت حدود قوته، وأظهرت هشاشة الغطاء الإقليمي الذي استند إلي انتهى المسار إلى عزلة سياسية وانكشاف ميداني، في تجربة تؤكد أن السلطة التي تُبنى على القوة وحدها تعجز عن التحول إلى مشروع مستقر.