لماذا تخترق الجماعات المسلحة التراث الصوفي؟

2026.01.29 - 12:22
Facebook Share
طباعة

استغلت الجماعات المسلحة في غرب أفريقيا التراث الجهادي الصوفي القديم لتبرير أعمالها العنيفة وادعت أنها امتداد مباشر للحركات الإسلامية التاريخية هذه الجماعات أعادت صياغة مفهوم الجهاد ضمن سرديات صدامية تقدّم نفسها وريثة لتجارب دينية سابقة لكنها انفصلت عن أطره الأخلاقية والاجتماعية لتبرير الإكراه والقتل تحت غطاء شرعي واستقطاب أتباع جدد من المجتمعات المحلية.

الجهاد الصوفي في القرن التاسع عشر:
شهد السودان الغربي وحوض غرب أفريقيا موجة جهادية صوفية بقيادة زعماء مثل الشيخ عثمان دان فوديو والحاج عمر تال وأحمد لوبو الماسني هذه الحركات استندت إلى العقيدة الإسلامية السمحة ورفع السلاح للدفاع عن النفس ومقاومة الوثنية والأطماع الاستعمارية الأوروبية وتأسيس مجتمعات إسلامية مستقلة وفق المؤرخين عبد الله عبد الرزاق وشوقي الجمل فإن هذه الثورة الدينية أسست دولًا مثل إمارة ماسينا ومملكة بلدوغ ونجحت في تحويل هيكل المجتمعات المحلية وتثبيت دعائم الإسلام، أعطى الجهاد الصوفي صبغة إصلاحية سياسية واجتماعية إلى جانب دوره الروحي.
ظهور الجهاد العنيف المعاصر:
في القرن الحادي والعشرين ظهر نموذج جديد من الفكر الجهادي في غرب أفريقيا يتمثل في جماعات مسلحة مثل بوكو حرام حركة أنصار الدين وداعش غرب أفريقيا مرت هذه الحركات بمراحل متعاقبة بداية السيطرة على مناطق واسعة مثل مثلث مالي النيجر بوركينا فاسو ثم التنازع الداخلي بين الفروع العرقية المختلفة وأخيرًا الضعف نتيجة التدخل العسكري الفرنسي وبعثة الأمم المتحدة MINUSMA على الرغم من ذلك لا تزال هذه الجماعات تنفذ هجمات نوعية وهو ما يجعل الحديث عن هزيمتها الكامل غير دقيق خصوصًا بعد توحيد صفوفها تحت مظلة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ما أعادها إلى صدارة العمليات المسلحة في المنطقة.
استغلال التراث الصوفي:
توظف الجماعات المعاصرة رموز الصوفية الصوفيين من القرن التاسع عشر مثل عثمان دان فوديو وأحمد لوبو لتضفي شرعية على عملياتها هذا الاستدعاء الانتقائي يعتمد على القداسة الرمزية لتلك الشخصيات ويستهدف تعزيز قبول المجتمع المحلي لأيديولوجيتها العنيفة في الواقع هذه الممارسة تتجاهل التحولات الاجتماعية والسياسية بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين لكنها تمنح الجماعات المسلحة قدرة على إعادة إنتاج خطاب جهادي جذاب واستقطاب المجندين.
تشابه واختلاف النسختين:
تشترك النسخة العنيفة الحديثة مع الصوفية القديمة في ثلاثة عناصر أساسية استخدام النصوص الشرعية واستهداف الطبقات الحاكمة والاعتماد على تسليح خارجي سواء عبر مهربين أو دول داعمة لكن النسخة المعاصرة تغلب فيها الطابع التعبوي والإعلامي مع ضعف التدريب الشرعي المنهجي وزيادة الاعتماد على التقنيات الحديثة مثل الطائرات بدون طيار والدراجات الكهربائية والعمليات عبر الحدود كما أن الجماعات الحديثة تستثمر الإعلام الرقمي لإنشاء ذاكرة جهادية مستمرة تشمل القنوات الرقمية والمنصات الاجتماعية لتوثيق العمليات وبناء سردية مركزية تعزز شعور الأتباع بالانتماء والشرعية كما هو الحال مع قناة الفتح التابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
الأبعاد الاجتماعية والإعلامية:
إن توظيف التراث الصوفي في سياق عنف معاصر يخلق تحديًا معرفيًا إذ يُخفي الفروق بين التجربة التاريخية للتصوف الجهادي والنسخة العنيفة الحديثة ويغذي خطابًا مضللًا عن السلطة والدين والهوية هذا الخطاب يسمح للجماعات المسلحة بتشكيل رواية مشتركة وتمكين قادة الجماعات من السيطرة على الوعي المحلي واستغلال الفجوات التعليمية والدينية لدى المجتمعات المستهدفة.
الاستنتاج التحليلي:
يرى مراقبون أن محاولة الجماعات المسلحة تأصيل أعمالها العنيفة في التراث الصوفي لا تعتمد على قراءة تاريخية رصينة بل على انتقاء رموز ونصوص معينة متجاهلة التطورات الاجتماعية والسياسية الاستجابة لهذه الظاهرة تتطلب فهمًا متعدد الأبعاد يدمج التاريخ التحليل الاجتماعي والثقافي والإعلامي لتمييز التراث الديني بوصفه خبرة تاريخية مفتوحة عن استخدامه في سياق العنف المعاصر بدون هذا الوعي التحليلي يبقى الخلط قائمًا وتظل إمكانات المعالجة محدودة في منطقة يظل فيها الدين والسياسة والهوية مفتوحين على احتمالات معقدة ومتعددة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 9