فرنسا تفرض حظرًا صارمًا على تواصل الأطفال

2026.01.27 - 09:07
Facebook Share
طباعة

 في خطوة تشريعية أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والمجتمعية، اتجهت فرنسا رسميًا إلى تشديد القيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل القاصرين، واضعة حماية الأطفال والمراهقين في مقدمة أولوياتها، حتى وإن جاء ذلك على حساب جزء من حرياتهم الرقمية.

فبعد جلسة برلمانية مطوّلة امتدت حتى ساعات الفجر الأولى، صوّت نواب الجمعية الوطنية الفرنسية بأغلبية كبيرة لصالح مشروع قانون يمنع من هم دون سن الخامسة عشرة من استخدام منصات التواصل الاجتماعي، في إجراء اعتُبر من أكثر التشريعات صرامة في أوروبا بهذا الشأن.

وجاء التصويت بنتيجة واضحة، حيث أيد 130 نائبًا مشروع القانون مقابل معارضة 21 نائبًا فقط، ما عكس توافقًا سياسيًا نادرًا حول خطورة التأثيرات المتزايدة لوسائل التواصل على فئة الأطفال والمراهقين. ومن المقرر أن يُحال المشروع إلى مجلس الشيوخ خلال الفترة المقبلة، لاستكمال المسار التشريعي قبل دخوله حيز التنفيذ.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سارع إلى الترحيب بالتصويت، معتبرًا أن ما حدث يمثل “خطوة كبيرة” في اتجاه حماية الأجيال الشابة من الإفراط في استخدام الشاشات، ومن المخاطر النفسية والسلوكية المرتبطة بالانغماس المبكر في العالم الرقمي.

وأكد ماكرون، في أكثر من مناسبة، أن الدولة تتحمل مسؤولية أخلاقية في التصدي لتأثيرات الخوارزميات والمنصات الرقمية على عقول الأطفال، مشددًا على أن مشاعر المراهقين ليست سلعة قابلة للاستغلال أو التلاعب، سواء من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى أو أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر التشريع الجديد على حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي فقط، بل يتضمن أيضًا منع الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية، في إطار سياسة أوسع تهدف إلى تقليص زمن الشاشة، وتحسين التركيز والتحصيل الدراسي، وتعزيز التفاعل الاجتماعي المباشر بين الطلاب.

وباعتماد هذا القانون، تصبح فرنسا ثاني دولة في العالم تتخذ قرارًا حاسمًا على هذا المستوى، بعد أستراليا التي سبقتها بخطوة مماثلة عندما فرضت حظرًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عامًا، ما يعكس توجّهًا عالميًا متناميًا لإعادة ضبط العلاقة بين الأطفال والتكنولوجيا.

من جهته، أعرب رئيس الوزراء الفرنسي السابق غابرييل أتال عن أمله في أن يصادق مجلس الشيوخ على مشروع القانون قبل منتصف فبراير المقبل، بما يسمح بدخول الحظر حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي الجديد في الأول من سبتمبر.

وأوضح أتال أن التشريع يمنح شركات ومنصات التواصل مهلة زمنية للتكيّف مع القواعد الجديدة، حيث سيكون أمامها حتى نهاية ديسمبر المقبل لتعطيل أو حذف الحسابات القائمة التي لا تستوفي شرط الحد الأدنى للسن.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه التحذيرات العلمية والطبية من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للمراهقين، خاصة الفتيات. فقد أشارت تقارير متخصصة إلى ارتباط استخدام منصات مثل تيك توك، سناب شات، وإنستغرام بارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، واضطرابات الصورة الذاتية.

كما تشمل المخاطر التي يسعى القانون إلى الحد منها ظواهر متفاقمة مثل التنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتوى العنيف أو غير الملائم، إضافة إلى الإدمان الرقمي الذي بات يؤثر على أنماط النوم والسلوك الاجتماعي لدى الأطفال.

وينص التشريع بوضوح على حظر دخول القاصرين دون سن 15 عامًا إلى خدمات شبكات التواصل الاجتماعي التي تقدمها المنصات الرقمية، ما يضع عبئًا قانونيًا وتقنيًا جديدًا على هذه الشركات لضمان الامتثال.

غير أن تطبيق القانون يطرح تحديات عملية، في مقدمتها إيجاد نظام فعّال ودقيق للتحقق من أعمار المستخدمين، دون المساس بالخصوصية. وتعمل السلطات الفرنسية حاليًا، بالتنسيق مع شركائها الأوروبيين، على تطوير آليات تقنية موحدة يمكن اعتمادها على مستوى الاتحاد الأوروبي.

ويرى مؤيدو القانون أن هذه الخطوة تمثل استثمارًا طويل الأمد في صحة الأطفال النفسية وسلامتهم، بينما يحذّر منتقدوه من مخاطر الإفراط في القيود، واحتمال دفع المراهقين إلى التحايل أو استخدام منصات بديلة أقل أمانًا.

وبين هذا وذاك، تفتح فرنسا نقاشًا واسعًا حول حدود الحرية الرقمية، ودور الدولة في حماية الأجيال الصاعدة، في زمن باتت فيه الشاشات جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8