يضع تجميد اجتماعات لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية المعروفة بـ«الميكانيزم» ملف الجنوب أمام اختبار يتجاوز البعد الإجرائي فالمسألة مرتبطة بطبيعة المرحلة المقبلة، وبالسؤال المركزي الذي يسبق سائر الملفات: من يدير طاولة التفاوض، وبأي سقف، ولأي وظيفة.
يرتبط هذا التجميد بسياقه السياسي والزمني فلا يمكن فصله عمّا سبق من جولات تفاوضية في الناقورة خلال كانون الأول، ولا عمّا يليه من محطات ضاغطة في شباط وآذار، من زيارة قائد الجيش إلى واشنطن، إلى التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي وتُقرأ هذه الاستحقاقات في الداخل اللبناني بوصفها مترابطة مع الضغوط المفروضة على الحكومة في ملفات حساسة، أبرزها مسار «حصرية السلاح» والانتقال إلى شمال الليطاني، وما يُطلب من التزامات قبل أي دعم سياسي أو اقتصادي.
في هذا الإطار، يبدو توصيف التجميد بوصفه «خطوة إجرائية» توصيفاً قاصراً فتعليق الاجتماعات يخفي، على الأرجح، صراعاً على مضمون التفاوض نفسه إذ إن أي تعديل في شكل اللجنة أو آلية عملها ينعكس مباشرة على طبيعة الملفات المطروحة وعلى موازين القوة داخلها.
تتعدد القراءات حول أسباب التجميد، لكنها تتقاطع عند استبعاد فرضية العفوية فالمستوى الأول من التفسير يرتبط ببنية «الميكانيزم» التي وُلدت ملتبسة الدور، واكتفت لأشهر بتسجيل الخروقات ومحاولة تثبيت الهدوء، من دون صلاحيات سياسية واضحة ومع توسّع دورها لاحقاً، وملامستها حدود التفاوض، ظهرت التناقضات داخل الفريق الدولي نفسه، وبرزت حساسية التوازن بين الرعاة ومقارباتهم المختلفة.
في المقابل، يبرز خلاف أعمق يتصل بمحتوى التفاوض فلبنان سعى إلى تثبيت أولويات محددة: عودة السكان إلى قراهم، ربط أي مسار اقتصادي بإعادة الإعمار بعد العودة، وإدراج ما حققه الجيش جنوب الليطاني ضمن سردية اللجنة الرسمية.
تميل المقاربة الإسرائيلية إلى حصر النقاش في البعد الأمني، مع تجنّب توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا تعتبرها خسائر تفاوضية، مثل الانسحاب من نقاط محتلة أو وقف الاعتداءات أو ملفات الأسرى.
هنا يتحول تعطيل اللجنة إلى أداة ضغط بحد ذاته: لا عودة للاجتماعات بلا تعديل في القواعد أو السقف أو جدول الأعمال ويكتسب التوقيت دلالة إضافية، إذ جاء تأجيل الاجتماع الذي كان مقرراً في 14 كانون الثاني في لحظة دقيقة، قبيل انتقال الملف إلى مرحلة أكثر حساسية، وقبيل محطات دولية يسعى لبنان إلى دخولها بخطة واضحة لا بخطاب عام.
في موازاة ذلك، يرى مراقبون أن تُطرح فرضيات عن تفكيك المسار التفاوضي إلى قناتين: مسار عسكري–تقني تُحصر به «الميكانيزم»، يُعنى بالميدان وترتيبات الانتشار وملف شمال الليطاني، ومسار سياسي–دبلوماسي منفصل لبحث قضايا أوسع، من الحدود إلى الانسحاب وترتيبات ما بعد وقف النار ورغم هذا الطرح من تسريع للعمل، إلا أنه ينطوي على مخاطرة لبنانية، إذ قد يُفصل الميدان عن السياسة، فيتحول الضغط العسكري إلى أداة ابتزاز، وتُرحَّل السياسة إلى مفاوضات مشروطة بالتنفيذ المسبق.
ولا يمكن إغفال البعد المتصل بتوازنات الرعاة داخل اللجنة فالتداول بإمكان تقليص أدوار بعض الأطراف أو دفع اللجنة نحو صيغة أكثر أحادية، يعني عملياً تغيير هوية الجهة التي تقيّم الأداء وتحدّد معايير النجاح أو التقصير.
من هنا، يصبح التمسك بالإطار الحالي مفهوماً من زاوية لبنانية، إذ إن البدائل المطروحة تحمل قدراً كبيراً من الغموض وتفتح الباب أمام أثمان سياسية إضافية.
بين 14 كانون الثاني الذي لم يشهد اجتماعاً، وشباط الذي يحمل استحقاقات مفصلية، يتحول تجميد «الميكانيزم» إلى اختبار حقيقي لقواعد اللعبة المقبلة. فإما عودة إطار تفاوضي يحفظ الحد الأدنى من التوازن ويترجم الوقائع الميدانية إلى حماية سياسية، وإما انزلاق تدريجي نحو معادلة مختلفة: ضغط ميداني مفتوح، ومسارات تفاوض متشعبة، وبلد يُطالَب بتقديم الالتزامات قبل أي مقابل وفي هذا المشهد، لا يعود السؤال عن موعد الاجتماع كافياً، بل عن أي مسار تفاوضي سيُفرض، وأي لبنان سيخرج من هذا التجميد.