في قلب مدينة حلب، وفي ضاحية العامرية المدمرة، تنتصب بعض مظاهر الحياة وسط الخراب الشامل. على الرغم من الدمار الذي خلفته سنوات الاقتتال، هناك من يحاول إعادة بناء ما تهدم، سواء من بيوت أو أسواق، في مواجهة واقع صعب ومعقد.
في صحيفة الغارديان، وصف الصحفي غيث عبد الأحد مشهد كشك الكباب في العامرية، حيث وقف رجل نحيل ذو لحية بيضاء يشوي اللحم على مشواة صغيرة وسط ركام بناء طوابقه العلوية مدمرة. الأرضية كانت مغطاة بحصائر ممزقة، والمقاعد مؤقتة من صندوق ثلج وقطع خرسانية، بينما تتراءى الحياة ببطء وسط هذه الخرائب.
العامرية.. ضاحية مهجورة تكتشف الحياة من جديد
كانت أغلب شوارع العامرية مهجورة، إلا أن بعض المؤشرات على الحياة بدأت تظهر. الأطفال يلعبون حول الدراجات النارية الصدئة، والنساء يبعن السجائر والماء، وشاب يجمع الحجارة لبناء بيته، مؤكداً أن الحجارة القديمة أفضل من الجديدة.
في سوريا، بعد فرار ملايين السوريين خلال الحرب، عاد نحو ثلاثة ملايين شخص إلى أحياء مهجورة، بلا كهرباء أو ماء، وهو ما جعل العديد من السكان يعودون إلى بيوتهم المدمرة، مع ارتفاع الإيجارات وغلاء المعيشة. ويؤكد السياسيون أن إعادة إعمار حي واحد فقط يُعد مهمة جريئة، وأن حلب قد تحتاج لعقود للعودة إلى سابق عهدها.
الجهود الأهلية لإعادة البناء
أحد سكان العامرية، الملقب بـ"أبي عرب"، حاول إعادة بناء بيته الذي دُمّر جزئياً. تحدث عن الأضرار التي لحقت بالمنزل، بما فيها السقوف المدمرة والأرضيات المفقودة، لكنه أشار إلى أن بعض الأجزاء أعيد بناؤها مؤخراً، مثل جدار جديد ودرفات معدنية.
أبي عرب يعيش مع الحذر الشديد، إذ ينام أحياناً لحراسة مواد البناء من السرقة. ويعكس قصته الصعوبات اليومية لإعادة البناء في حي مدمر، حيث أن معظم الهياكل غير آمنة. ومع ذلك، يرى أنه ليس أمام الناس خيار آخر سوى محاولة إعادة الإعمار بأنفسهم.
تاريخ حلب ومقاومتها للحرب
حلب، التي حافظت على موقعها كمدينة مركزية على مدى خمسة آلاف سنة، واجهت غزوات وأوبئة واضطرابات، لكنها نجحت في الحفاظ على هويتها الثقافية والتجارية والاجتماعية، لا سيما في المدينة القديمة وأسواقها.
في 2011، ومع بداية الاحتجاجات السورية، لم تشهد حلب حماسة واسعة، ما أثار الانتقاد ضد سكانها، قبل أن تتحول المدينة إلى ساحة اقتتال شديدة بين الثوار وقوات النظام، حيث تحولت الأبنية إلى مواقع للقنص، والأزقة الطويلة إلى مصائد، والأنفاق إلى طرق للتموين والتفجير.
خلال الحرب، استولى المقاتلون على منازل المدنيين، ونهبوا محتوياتها، مما جعل حياة الناس وبيوتهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاقتتال.
السوق القديم.. إرث متضرر لكنه حي
في سوق المدينة القديمة، تتواصل محاولات إعادة الحياة. بعض الأسواق خضعت للترميم، في حين بقيت الأخرى مدمرة، ما جعلها تبدو وكأنها "سماء قاتمة" تعكس آثار الحرب.
أحد التجار، أنس، فقد ممتلكاته خلال الحرب وهاجر إلى تركيا، حيث أعاد بناء عمله الصناعي للألبسة. ويشير إلى أن التحدي الحالي أمام الصناعات المحلية هو تدفق البضائع المستوردة الرخيصة، خصوصاً من الصين، ما يعرقل إعادة تشغيل الورش وإيجاد فرص عمل للسكان المحليين.
التحديات السياسية والأمنية
العنف لم ينته بعد في حلب، فالتوتر مستمر بين القوى السياسية المختلفة، بما فيها الدولة والفصائل المحلية والكرد، الذين لا يثقون بسلم السلطة، ما يعقد أي عملية إعادة إعمار منسقة.
كما أن القنص والمخاطر الأمنية تجعل إعادة السكان إلى بيوتهم أمراً محفوفاً بالمخاطر، وتتطلب جهوداً كبيرة لتأمين المناطق المتضررة.
الخلاصة: إعادة الإعمار خطوة صعبة ومستقبل غير مؤكد
في حلب، ليست إعادة الإعمار مجرد مسألة هندسية أو مالية، بل هي محاولة لاستعادة الحياة وسط الخراب النفسي والجسدي. الجهود الحالية هي في الغالب أهلية، يقودها السكان أنفسهم مثل أبي عرب، الذين يواجهون تحديات الاستقرار الأمني، وندرة الموارد، والواقع الاقتصادي الصعب.
يبقى الأمل قائماً، لكن المستقبل مليء باللايقين: هل ستتمكن حلب من العودة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، أم سيستمر الخراب جزءاً من حياتها اليومية؟ حتى الآن، كل خطوة بناء، كل جدار يُرمم، هي انتصار صغير ضد قوة الدمار، وأمل متجدد لسكان المدينة الذين لم يفقدوا رغبتهم في الحياة.