شهدت محافظة الحسكة شرقي سوريا، يوم الأربعاء 21 كانون الثاني، حالة من الاستقطاب العسكري المكثف والهدوء الحذر في الوقت ذاته، غداة إعلان الرئاسة السورية منح مهلة أربعة أيام لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) لتقديم خطة دمج شاملة ضمن مؤسسات الدولة. وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة عمليات عسكرية متفرقة في الريف والمدينة، وسط استمرار الاستنفار الأمني والقلق المدني.
سيطرة الجيش السوري على الريف الشرقي والغربي
أفاد مصدر محلي أن الجيش السوري أحكم سيطرته الكاملة على بلدة ومخيم الهول، مع انتشار مكثف لقوى الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية لتأمين المنطقة. كما تقدمت القوات شمالًا للسيطرة على بلدتي تل حميس واليعربية، وصولًا إلى المعبر الحدودي الرسمي مع العراق، ليصبح القطاع الحدودي تحت سلطة دمشق لأول مرة منذ سنوات.
وأضاف أن الجيش سيطر قبل إعلان الاتفاق على قرى قانا والكرامة والخمائل، وفوج الميلبية في الريف الجنوبي، بالإضافة إلى عدة قرى في جبل عبد العزيز بالريف الغربي، بينما تستمر الحشود العسكرية في التوسع في المنطقة الواقعة جنوب مدخل الحسكة بعدة كيلومترات.
استعدادات «قسد» داخل المدينة
في المقابل، رصدت وحدات «قسد» حشودًا عسكرية داخل أحياء الحسكة، مع انتشار مكثف في أحياء غويران والنشوة والزهور، وسط استنفار أمني وحصار جزئي للأحياء، في ظل مخاوف من اندلاع مواجهات مباشرة مع انتهاء المهلة الحكومية.
وأشار المصدر إلى الوضع الإنساني الصعب في المدينة، نتيجة نقص حاد في مادة الخبز والمياه، ووجود شعور بالقلق بين المدنيين من احتمال تحول المدينة إلى ساحة اشتباك نتيجة تزايد انتشار الآليات العسكرية والخنادق داخل الكتل السكنية.
خسائر بشرية ومواقع أمنية
أعلنت وزارة الدفاع السورية عن العثور على معمل لتصنيع العبوات الناسفة وطائرات مسيرة قرب معبر اليعربية، كانت معدة للاستخدام من قبل «قسد». وخلال عملية التمشيط، استهدفت «قسد» المعمل بطائرة مسيرة انتحارية، ما أدى إلى مقتل سبعة من جنود الجيش السوري وإصابة 20 آخرين.
كما شهدت مدينة القامشلي غارات نفذتها طائرات مسيرة يُرجح أنها تركية، استهدفت مقرين تابعين لـ«قسد»، بالتزامن مع قصف مدفعي متبادل في جبهة زركان شمالي الحسكة. وفي حي النشوة، دفن السكان ثمانية مدنيين بينهم أطفال، بعد استهدافهم بواسطة طائرة مسيرة، فيما تجاوز عدد الجرحى عشرة أفراد.
التفاهم الجديد وآلية الدمج
جاءت هذه التطورات بعد إعلان الرئاسة السورية عن تفاهم جديد مع «قسد» بتاريخ 20 كانون الثاني، يتضمن:
منح «قسد» مهلة أربعة أيام لوضع خطة تفصيلية لآلية الدمج.
عدم دخول القوات الحكومية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، مع السماح بتواجد قوات أمن محلية في القرى ذات المكون الكردي.
ترشيح مظلوم عبدي لمنصب مساعد وزير الدفاع، واقتراح مرشح لمنصب محافظ الحسكة، إضافة إلى تمثيل في مجلس الشعب وتوظيف ضمن مؤسسات الدولة.
دمج جميع القوات العسكرية والأمنية التابعة لـ«قسد» ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، مع استمرار المناقشات حول آلية الدمج التفصيلية للمؤسسات المدنية.
التزام الرئاسة بتنفيذ المرسوم رقم 13 الخاص بالحقوق اللغوية والثقافية للكرد وحقوق المواطنة، بما يعكس التزامًا مشتركًا بـ«سوريا موحدة وقوية على أساس الشراكة الوطنية».
وبناءً على هذا الاتفاق، أعلنت وزارة الدفاع السورية وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام، تماشيًا مع التفاهمات مع «قسد»، بينما أكدت الأخيرة التزامها بوقف إطلاق النار وعدم المبادرة بأي عمل عسكري، مع تأكيد عدم تعرضها لأي هجمات مستقبلية، مع إبقائها على استعداد للمسارات التفاوضية.
سياق الموقف الإنساني والاستراتيجي
يمثل الوضع في الحسكة نموذجًا للتوترات المتزامنة بين:
التحرك العسكري الحكومي لتثبيت السيطرة على الريف والمناطق الحدودية.
الحشد العسكري والسياسي لـ«قسد» داخل المدينة، استعدادًا لأي سيناريو محتمل.
التحديات الإنسانية الناتجة عن نقص المواد الأساسية والخوف من وقوع اشتباكات بين القوات.
الأبعاد السياسية والتفاوضية المتعلقة بآلية دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، وضمان الحقوق المدنية والسياسية لجميع مكونات المحافظة.
وتشير التطورات إلى أن الحسكة تواجه مرحلة دقيقة من التوازن بين ضبط الأمن، تنفيذ الاتفاقيات، والحفاظ على استقرار المدنيين، في ظل استمرار الضغوط العسكرية والمخاطر الأمنية المحتملة.