في ظل التغييرات الأخيرة في شمال سوريا وشمال شرقها، يعود الحديث عن محافظة السويداء جنوب البلاد إلى الواجهة، حيث تسعى الحكومة السورية لاستثمار نجاحها في ملف «قسد» لتطبيق سيناريو مماثل في المحافظة، مستغلة تخلي الولايات المتحدة عن حليفها الكردي.
ويُظهر الاتفاق الأخير بين دمشق وقسد رغبة الحكومة السورية في دمج القوات المحلية في الجيش الرسمي، وتسليم الموارد والمرافق السيادية للدولة، وهو نفس السيناريو الذي يخطط النظام لتطبيقه في السويداء، وفق ما تشير إليه مصادر محلية وعسكرية مطّلعة.
التنسيق الأمني السوري–الإسرائيلي
في ضوء التحولات الأخيرة، تم الإعلان رسميًا عن إنشاء لجنة أمنية مشتركة بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، بهدف إدارة انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض النقاط في الجنوب الغربي للبلاد، مع استمرار تقديم الدعم للأقلية الدرزية. ويُعد هذا التنسيق جزءًا من جهود أوسع لتثبيت استقرار المحافظة ومنع أي تصعيد أمني قد يهدد التوازنات القائمة في الجنوب.
وتشير المصادر إلى أن الدعم الإسرائيلي للسويداء لم يتوقف منذ سنوات، بل يتخذ بعدًا أكثر انسجامًا مع الطموحات المحلية. فقد شهدت المحافظة الأسبوع الماضي هبوط حوامات إسرائيلية في مقر «الفرقة الخامسة» سابقًا، محملة بمساعدات مادية وغذائية، بينما استمر انخراط شبان من دروز الجولان في الجيش الإسرائيلي بعد تلقي تدريبات منظمة، حيث أُدرج أكثر من 150 مشاركًا في منظومات الاحتياط مثل «اللواء 810» و«الفرقة 210» العاملة في الجنوب السوري وهضبة الجولان.
حملة إعلامية ودور «الحرس الوطني»
استغلت دمشق التطورات الأخيرة في ملف قسد لبدء تدوير الرواية نفسها على ميليشيات «الحرس الوطني» في السويداء، من خلال حملة إعلامية منظمة تقودها قنوات داعمة للسلطة وصفحات محلية، هدفها تهيئة الرأي العام المحلي لقبول سيطرة الحكومة على الملفات الأمنية.
كما تم الترويج لزيارة مدير أمن السويداء سليمان عبد الباقي والشيخ ليث البلعوس إلى واشنطن، بتسهيل من منظمة «مواطنون من أجل أميركا آمنة»، على أنها تمثل الدروز في مفاوضات حول حل ملف السويداء، في خطوة تهدف لربط تجربة المحافظة بما جرى في شمال شرق سوريا بعد اتفاق قسد. وأكد مصدر محلي أن قيادة «الحرس» عمّمت على عناصرها ومؤيديها متابعة الحملة الإعلامية، في محاولة لضبط الخطاب المحلي وتحضير السكان للتغييرات القادمة.
الأبعاد الاستراتيجية والأمنية
تعكس هذه التطورات رغبة دمشق في استعادة نفوذها على الجنوب السوري بطريقة مشابهة لما فعلته في الشمال الشرقي، مستفيدة من التأييد الأميركي المباشر وحدة اراضيها.
ويأتي التحرك الحكومي وسط تقارير عن استمرار التنسيق الإسرائيلي في المحافظة، والذي يتضمن تأمين الدعم للأقلية الدرزية وتعزيز المراقبة على الحدود الجنوبية مع هضبة الجولان، بما يضمن مصالح تل أبيب في المنطقة. ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه محاولة لإرساء توازنات جديدة بين دمشق والدروز، وضمان ألا تتحول المحافظة إلى منطقة نفوذ مستقل قد تهدد الأمن الاستراتيجي السوري أو مصالح إسرائيل.
تحديات أمام السلطة السورية
رغم جهود الحكومة، يواجه ملف السويداء تحديات متعددة، أهمها رفض الأهالي العودة إلى القرى المتضررة، واستمرار ضعف البنى التحتية والخدمات الأساسية، فضلاً عن وجود قوى محلية وأقليات مسلحة ترفض الخضوع للسلطة المركزية بشكل كامل. كما أن التنسيق الأمني مع إسرائيل قد يثير جدلاً محلياً ويزيد من مخاوف السكان حول طبيعة الدور الذي ستلعبه القوات الأجنبية في المحافظة.
ويخلص محللون إلى أن الملف الدرزي في السويداء سيكون الاختبار التالي بعد تجربة قسد في شمال شرق سوريا، حيث ستسعى دمشق إلى تثبيت سيطرتها السياسية والأمنية، مع ضمان استمرار الدعم الدولي والإقليمي لتعزيز موقفها الاستراتيجي في الجنوب.