شهدت المناطق الجنوبية والشمالية اللبنانية تصعيدًا عسكريًا واسعًا من قبل إسرائيل، تضمن إخلاءات وإطلاق صواريخ وغارات على مناطق سكنية ومعابر حدودية، في وقت لم تتمكن فيه السلطات اللبنانية من احتواء الأزمة أو التوصل إلى حلول تفاوضية فعالة. وتشير التطورات إلى أن التصعيد الإسرائيلي ليس موجّهًا فقط ضد المقاومة اللبنانية، بل يسعى إلى فرض واقع استراتيجي جديد على كامل الأراضي اللبنانية.
سياق التصعيد
وفق معلومات من جهات دولية مطلعة، لا تعتزم إسرائيل سحب قواتها نهائيًا من الأراضي اللبنانية، رغم الاتفاقيات السابقة بشأن حصر السلاح، ما يعكس سعي تل أبيب لتثبيت المكاسب الميدانية والسياسية على الأرض، وعدم الاستجابة للتنازلات التي يقدمها لبنان الرسمي. ويأتي ذلك بالتوازي مع مواقف لبنانية مترددة على صعيد المفاوضات، حيث أكّد رئيس الجمهورية جوزيف عون المضي في مشروع “نزع السلاح غير الشرعي”، من دون ربطه بأي إجراءات إسرائيلية مقابلة، ما يعكس فجوة واضحة بين السياسات اللبنانية الرسمية والتحديات الميدانية الفعلية.
أهداف التصعيد الإسرائيلي
تواصل إسرائيل تنفيذ خطة تصعيدية في منطقة شمال الليطاني، تضمنت إخلاءات لمباني في بلدات قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار، إضافة إلى غارات على معابر حدودية لبنانية – سورية في الهرمل ومناطق الحوش والقصير وجوسيه. وتسببت هذه الغارات في دمار كامل لثلاثة مبانٍ سكنية في قناريت، وتضرر عشرات المباني والمحال التجارية، مع تسجيل إصابة 19 مدنيًا، بينهم صحفيون، نتيجة تداعيات القصف.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تهدف إلى ممارسة ضغط مباشر على الحكومة اللبنانية لقبول ما يعرف بـ”الميكانيزم” الثلاثي الذي يضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، والذي يقوم على مفاوضات مباشرة بين لبنان والعدو الإسرائيلي برعاية أميركية، وهو ما يطرح أسئلة حول استقلالية القرار الوطني اللبناني في إدارة الملف الأمني على الحدود.
دور المؤسسات اللبنانية
تزامن التصعيد مع زيارة مقررة لقائد الجيش اللبناني رودولف هيكل إلى واشنطن، حيث سيعرض تصور الجيش لمنطقة شمالي النهر. وترافق ذلك مع تعليق عمل لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار دون إطلاع بيروت على الأسباب، ما يعكس تعقيدات في التنسيق بين الأطراف المحلية والدولية المكلفة بمتابعة تنفيذ الاتفاقيات.
وأكد الجيش اللبناني عبر قيادة القوات وقادته أن حماية الحدود تتطلب دعمًا عسكريًا نوعيًا، في ظل حجم التحديات القائمة على الحدود الشمالية والشرقية. ويشارك في متابعة برنامج حماية الحدود فرق عمل مشتركة من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا، إضافة إلى لجنة إشراف عليا تضم ممثلين لبنانيين ودوليين.
الغضب الشعبي وردود الفعل
أدت هذه التطورات إلى انتقال الغضب إلى الشارع اللبناني، حيث نفذ المواطنون احتجاجات في بيروت والضاحية الجنوبية، تضامنًا مع أهالي الجنوب، ورفعوا شعارات ضد ما وصفوه بـ”الصمت الرسمي اللبناني أمام الاعتداءات الإسرائيلية”. وشمل الاحتجاج قطع طرق رئيسية، بما يعكس تزايد الاستياء الشعبي من الوضع الأمني والسياسي.
تداعيات سياسية واستراتيجية
من الناحية السياسية، يظهر التصعيد أن إسرائيل تسعى إلى إحكام سيطرتها على المساحات الحدودية اللبنانية، وتوجيه الضغط على الدولة اللبنانية لإدخال تعديلات على خططها الأمنية. ويتزامن ذلك مع تصريحات لمسؤولين أميركيين وإسرائيليين، أبرزها ما نقل عن الرئيس الأميركي في دافوس، مما اعتُبر من قبل مراقبين ضوءًا أخضر لإسرائيل للتعامل بحرية أكبر مع الساحة اللبنانية.
تقييم الخبراء
تحليل الموقف يشير إلى أن التصعيد الإسرائيلي الأخير ليس معزولاً، بل يأتي ضمن مسار سياسي واستراتيجي طويل الأمد يهدف إلى:
تثبيت مكاسب ميدانية وسياسية في لبنان.
ممارسة ضغط على السلطات اللبنانية لقبول آليات جديدة لإدارة الحدود.
ربط الوضع اللبناني بتوازنات دولية تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تفاقم التوترات على الحدود، وارتفاع مخاطر المواجهات المباشرة، وزيادة الخسائر المدنية.