مع اكتمال العام الأول من الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، برزت تحولات واسعة في بنية الحكومة الفدرالية وطبيعة عملها، عكست توجهاً واضحاً نحو تقليص حجم الدولة، وتعزيز مركزية السلطة التنفيذية، وإعادة تعريف دور المؤسسات الفدرالية داخل النظام السياسي الأميركي.
وخلال مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض بهذه المناسبة، جرى التأكيد على أن الإدارة نفذت موجة غير مسبوقة من تقليص عدد الموظفين الفدراليين، في إطار ما وصفته بأنه عملية “إصلاح هيكلي” تهدف إلى جعل الحكومة أصغر وأكثر كفاءة.
تقليص الجهاز الحكومي
تشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 2.95 مليون موظف يعملون في المؤسسات الفدرالية الأميركية، وتبلغ الميزانية السنوية للحكومة ما لا يقل عن 6.2 تريليونات دولار، ويتركز ما يقرب من 60% من الموظفين في وزارات الدفاع، وشؤون المحاربين القدامى، والأمن الداخلي.
وفي هذا السياق، روّج البيت الأبيض لسجل يضم 365 إنجازًا خلال العام الأول، عرض فيه ما اعتبره نجاحاً في إعادة هيكلة الجهاز الإداري، مدافعاً عن سياسة فصل أعداد كبيرة من الموظفين، ومشيراً إلى أن هذه الخطوات أعادت توجيه القوى العاملة نحو القطاع الخاص.
هيمنة تنفيذية متزايدة
تجلّى أحد أبرز ملامح التحول في تعزيز دور السلطة التنفيذية على حساب الكونغرس، إذ لجأ الرئيس إلى إصدار 228 أمراً تنفيذياً خلال عام واحد، استهدفت تقليص أو إلغاء برامج فدرالية اعتُبرت غير ضرورية أو مكلفة.
وامتدت هذه السياسة إلى قطاعات حيوية، مثل التعليم والخدمات الاجتماعية والإعلام الخارجي، حيث شهدت وزارة التعليم تقليصاً يقارب النصف في عدد موظفيها، مع البدء في نقل صلاحياتها إلى الولايات، تمهيداً لإلغائها بالكامل.
كما شمل هذا النهج تدخلاً فدرالياً مباشراً في الشؤون المحلية، عبر نشر آلاف من قوات الحرس الوطني في العاصمة واشنطن، ووضعها تحت السيطرة الفدرالية بدلاً من السلطة المحلية المنتخبة، بذريعة مكافحة الجريمة. وقد أثارت هذه الخطوة جدلاً دستورياً واسعاً بشأن حدود الصلاحيات بين الحكومة الفدرالية والولايات، واعتُبرت سابقة قد تُستخدم لاحقاً في ولايات أخرى، وسط اعتراضات قانونية متواصلة.
إعادة رسم المشهد السياسي
ومن بين أكثر الإجراءات إثارة للجدل، برز التدخل في إعادة رسم الدوائر الانتخابية في بعض الولايات، في خطوة اعتبرها منتقدون تسييساً مباشراً لآليات التمثيل الديمقراطي، بما يعمّق الاستقطاب الحزبي ويفتح الباب أمام ردود مماثلة من ولايات أخرى.
التحول في القضايا الثقافية والحقوقية
ضمن تنفيذ وعوده الانتخابية، أصدرت الإدارة سلسلة أوامر تنفيذية استهدفت إلغاء مبادرات “التنوع والمساواة والشمول” (DEI)، التي كانت تهدف إلى ضمان تكافؤ الفرص داخل المؤسسات الحكومية.
وأعادت هذه القرارات تشكيل علاقة الحكومة الفدرالية بالقضايا الثقافية والحقوق المدنية، وأثارت نقاشاً واسعاً حول من تشملهم الحماية القانونية الفدرالية، وكيف تُدار العلاقة بين الدولة والمواطنين في هذا المجال.
الضغط على المؤسسات المستقلة
أحد أخطر التحولات تمثل في الضغط المباشر على مجلس الاحتياطي الفدرالي لخفض أسعار الفائدة، وهو ما اعتُبر مساساً باستقلال إحدى أكثر المؤسسات الأميركية حساسية.
ويرى محللون أن خفض الفائدة قد يحقق نمواً اقتصادياً قصير الأمد عبر تشجيع الاقتراض والاستثمار وتقليل كلفة التمويل، إضافة إلى تعزيز تنافسية الصادرات الأميركية، إلا أن هذه المكاسب تأتي مقابل مخاطر ارتفاع التضخم، وما يرافقه من أعباء على المواطنين.
إعادة هيكلة خارج الأطر التقليدية
في إطار تنفيذ أجندة تقليص الدولة، أُنشئت “إدارة الكفاءة الحكومية”، وهي جهة مؤقتة أُنشئت بقرار تنفيذي، وأسندت قيادتها إلى رجل الأعمال إيلون ماسك. وتعمل هذه الإدارة خارج الأطر الرقابية التقليدية، بالتنسيق مع مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض.
وسعت هذه الجهة إلى تقليص أو إغلاق مؤسسات فدرالية كاملة، من بينها هيئة المعونة الأميركية، مع التركيز على تسريح الموظفين الجدد، وتشجيع برامج الاستقالات المبكرة.
تقليص الوكالات والإنفاق
طُرحت رؤية لإعادة تقليص عدد الوكالات الفدرالية إلى 99 وكالة فقط من أصل أكثر من 400، بحجة تداخل الصلاحيات وتضخم الإنفاق. وارتبط ذلك بهدف معلن يتمثل في خفض ما لا يقل عن تريليوني دولار من الإنفاق الفدرالي، مع الإقرار بإمكانية حدوث اضطرابات اقتصادية واجتماعية مؤقتة.
الإغلاق الحكومي وتأثيره
وساهم في تسريع هذه التحولات أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، والذي استمر 43 يوماً، بعد فشل الحزبين الجمهوري والديمقراطي في التوصل إلى اتفاق حول ميزانية العام المالي، المنتهي في 30 سبتمبر/أيلول الماضي.
وأدى هذا الإغلاق إلى تعطيل واسع للخدمات الحكومية، ورسّخ واقعاً جديداً في علاقة المواطنين بالدولة، في ظل تصاعد الخلافات السياسية حول دور الحكومة وحجمها.
خلاصة المشهد
يعكس العام الأول من الولاية الثانية لترامب تحولاً بنيوياً في شكل الدولة الأميركية، يقوم على تعزيز السلطة التنفيذية، وتقليص الجهاز الحكومي، وإعادة تعريف العلاقة بين الحكومة الفدرالية والولايات والمؤسسات المستقلة.
وبينما يرى مؤيدو هذه السياسات أنها خطوة ضرورية نحو حكومة أكثر كفاءة وأقل كلفة، يحذر منتقدوها من تآكل الضوابط الدستورية، وتسييس مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام السياسي، في مرحلة تُعد من الأكثر حساسية في تاريخ النظام الأميركي الحديث.