تشهد محافظة السويداء خلال الأيام الأخيرة تطورًا لافتًا تمثّل في انشقاق نحو عشرين عنصرًا من ميليشيا “الحرس الوطني”، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ تأسيس هذا التشكيل العسكري المحلي. ووفق ما أفادت به مصادر محلية، فإن هذه الانشقاقات جاءت بعد حالة من التململ الداخلي، وتعكس حجم التعقيدات السياسية والتنظيمية التي باتت تحيط بالتشكيلات المسلحة في المحافظة، وتعيد إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول طبيعة المشاريع المطروحة لمستقبل السويداء، وحدود التوافق بين الفاعلين المحليين فيها.
وبحسب معلومات متقاطعة من عدة مصادر داخل المحافظة، فإن موجة الانشقاقات الأخيرة لم تكن وليدة حدث واحد أو خلاف عابر، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة الأمد، تداخلت فيها الخلافات السياسية مع النزاعات المالية والتنظيمية، في ظل غياب إطار جامع قادر على استيعاب التباينات المتزايدة بين التيارات المختلفة المنخرطة ضمن “الحرس الوطني”.
وتشير إحدى الروايات المتداولة، عن مصادر مقرّبة من قوات “شيخ الكرامة” في السويداء، إلى وجود خلاف عميق بين بعض الحركات المعارضة المحلية القديمة من جهة، وقيادة “الحرس الوطني” من جهة أخرى، ويتمحور هذا الخلاف بشكل أساسي حول طبيعة المشروع الذي يقوده طلال عامر، وطريقة إدارته للتشكيل. وتوضح هذه المصادر أن عامر يُنظر إليه من قبل تلك الحركات على أنه جزء من منظومة عسكرية سابقة، بحكم خدمته السابقة ضمن “الفرقة الرابعة” في جيش النظام المخلوع، وهو ما يثير شكوكًا عميقة لدى أطراف ترى نفسها امتدادًا لمسار معارض محلي تشكّل خلال سنوات الثورة السورية.
وتؤكد هذه المصادر وفق تلفزيون سوريا أن عددًا من التشكيلات والناشطين الذين انخرطوا في العمل المعارض المحلي لا يعتبرون المشروع المطروح حاليًا تحت مظلة “الحرس الوطني” امتدادًا لأهدافهم الأولى، بل يرون فيه قطيعة واضحة معها، سواء من حيث الخطاب السياسي أو الممارسة الميدانية. كما يعبّر هؤلاء عن رفضهم لما يعتبرونه تقاطعًا مباشرًا أو غير مباشر مع مشروع الشيخ حكمت الهجري، الذي تنظر إليه بعض الأطراف المحلية على أنه يحمل مخاطر جدية، تتمثل في احتمال زجّ المحافظة في صراعات إقليمية أو داخلية لا تمتلك السويداء القدرة على تحمّل تبعاتها.
وبحسب هذه الرواية، فإن الانشقاقات جاءت نتيجة شعور متزايد لدى هذه المجموعات بأنها باتت مهمّشة سياسيًا داخل “الحرس الوطني”، وأن القرارات المصيرية المتعلقة بالمستقبل العسكري والسياسي للمحافظة تُتخذ من دون توافق حقيقي أو مشاركة فعلية من جميع المكونات، ما دفع بعض العناصر والتشكيلات إلى الانسحاب أو فك الارتباط بالتشكيل، تفاديًا لتحمّل مسؤولية خيارات لم يشاركوا في صياغتها.
في المقابل، تطرح رواية أخرى حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من مصادر عسكرية منشقة قبيل أحداث السويداء الأخيرة، بُعدًا مختلفًا للأزمة، يتمحور بشكل أساسي حول الخلافات المالية وآليات توزيع الدعم والتمويل. ووفق هذه الرواية، فإن جزءًا كبيرًا من التمويل الخارجي، ولا سيما التمويل الإسرائيلي، يُوجَّه بشكل حصري إلى القيادات الجديدة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بـ “الحرس الوطني”، إضافة إلى مجموعات مقرّبة من الشيخ سلمان الهجري، في حين حُرمت الحركات والتشكيلات الأقدم من أي دعم يُذكر.
وتقول مصادر محلية في السويداء إن هذا التفاوت الواضح في توزيع الموارد المالية واللوجستية خلق حالة من الاحتقان داخل الصف الواحد، حيث شعرت التشكيلات القديمة بأنها تُستخدم كغطاء معنوي أو رصيد اجتماعي، من دون أن تحصل على نصيبها من الدعم الذي يمكّنها من الاستمرار في العمل الميداني. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الشعور إلى قناعة لدى بعض المجموعات بأن بقاءها ضمن “الحرس الوطني” لم يعد مجديًا، خصوصًا في ظل غياب التمويل وصعوبة الاستمرار من دون موارد تضمن الحد الأدنى من الاستقرار التنظيمي.
ويرى عدد من الناشطين في محافظة السويداء، أن الانشقاقات عن “الحرس الوطني”، سواء كانت مدفوعة بخلافات سياسية تتعلق بطبيعة المشروع والقيادة، أو بصراعات مالية مرتبطة بالتمويل وتوزيع الموارد، أو بمزيج معقّد من الاثنين معًا، فإنها تكشف عن أزمة ثقة عميقة داخل التشكيلات المحلية المسلحة. كما تعكس هذه التطورات هشاشة البنى التنظيمية التي نشأت في ظروف استثنائية، من دون أن تنجح في بلورة رؤية مشتركة طويلة الأمد قادرة على استيعاب التعدد والاختلاف.
ويحذّر هؤلاء الناشطون من أن استمرار هذه الانقسامات من شأنه إضعاف أي جسم عسكري أو أمني محلي في السويداء، وفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية، في وقت تواجه فيه المحافظة تحديات أمنية ومعيشية متفاقمة، وتحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى حد أدنى من التماسك الداخلي، لتجنّب الانزلاق نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.