أنجزت قوات سوريا الديموقراطية (قسد) بالتعاون مع السلطات السورية إجراءات عاجلة لإحباط محاولة فرار جهاديين أوروبيين من سجن الشدادي في شرق سوريا، حيث احتُجز عناصر يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك بوست أنّه ساهم شخصياً في إحباط الهروب، بالتنسيق مع الحكومة السورية والرئيس السوري الجديد، مؤكداً أن جميع المعتقلين أعيدوا إلى أماكن احتجازهم، في حين استمرت عمليات التمشيط لتوقيف الباقين.
وجاءت هذه التطورات الأمنية في أعقاب توقيع اتفاق بين الحكومة السورية وقسد، برئاسة قائدها مظلوم عبدي، كان من المفترض أن ينظم إدارة السجون ونقل المعتقلين. إلا أن محاولة الفرار كشفت هشاشة بعض الترتيبات الميدانية قبل استقرار التفاهم السياسي، ما أدى إلى حالة استنفار في مناطق الحسكة وعين العرب (كوباني)، المعقل الأخير لقوات سوريا الديموقراطية، والتي أعلنت عن استعدادها للدفاع عن المدينتين ووصفتهما بـ"معركة وجود".
من جانبه أكدت وزارة الداخلية السورية أن نحو 120 عنصراً من تنظيم داعش فرّوا من سجن الشدادي، وتم توقيف 81 منهم لاحقًا، فيما جرى نقل العناصر الأكثر خطورة خلال الأسابيع السابقة لضمان السيطرة الأمنية.
من جهتها، اتهمت قسد جماعات مسلحة مرتبطة بالحكومة السورية بمحاولة مهاجمة السجن، بينما حمّلت التحالف الدولي مسؤولية عدم الاستجابة الفورية للنداءات.
وعقد الرئيس السوري أحمد الشرع اجتماعاً مع قائد قسد مظلوم عبدي عقب الحادث، بهدف تثبيت الاتفاق الذي أُعلن عنه، إلا أن اللقاء انتهى من دون بيان رسمي، وسط خلافات حول طبيعة الترتيب الأمني والسياسي فدمشق تعاملت الاتفاق بوصفه وسيلة لبسط السيطرة الكاملة، بينما اعتبرت قسد أن الاتفاق إطار للاندماج وليس لتصفية وجودها السياسي والعسكري، ما أوجد فراغاً أمنياً ونفسياً في البيئة الكردية تُرجم بإعلان "النفير العام" واحتجاجات محلية.
وتباينت المواقف الدولية تجاه الأزمة؛ فالبيت الأبيض أبدى اهتماماً محدوداً بالملف، بينما أكّد ترامب متابعة الوضع عن كثب، فيما تابعت تركيا التطورات بصمت استراتيجي، مستفيدة من تراجع قسد الميداني لتفكيك بنيتها العسكرية والإدارية دون تدخل مباشر. أما القوى الغربية الأخرى، ففضلت انتظار اتضاح نتائج التفاهمات بين دمشق وواشنطن وأنقرة قبل اتخاذ مواقف علنية.
وأدى الهروب وفشل الترتيبات إلى تصاعد المخاوف من انفلات تدريجي يمتد من السجون إلى بنية التفاهم السياسي نفسها، إذ أن أي خلل في إدارة السجون أو السيطرة على المعتقلين قد يحوّل حادثاً محلياً إلى أزمة إقليمية واسعة، تؤثر على الاستقرار الهش في شرق سوريا، بما في ذلك مناطق الحسكة وعين العرب، اللتين تمثلان معقل "قسد" الأخير ومفتاح مشروعها السياسي في المنطقة.
يبقى شرق سوريا في مرحلة اختبار مركّب يجمع بين الملفات الأمنية والسياسية والإقليمية، وسط مراقبة مستمرة من الولايات المتحدة وتركيا والدول الغربية، مع استمرار قسد والحكومة السورية في محاولة ضبط الوضع واحتواء تداعيات الفرار، في وقت تُصنّف الأحداث الأمنية في السجون بوصفها مؤشراً أساسياً على جدية التفاهمات وتنفيذ الاتفاق بين الأطراف المحلية والدولية.