الجزيرة السورية.. بين الفرص والمصاعب الاقتصادية

2026.01.20 - 12:39
Facebook Share
طباعة

 
الجزيرة السورية، التي تضم محافظات دير الزور والحسكة والرقة، واجهت عقودًا من الفقر والتهميش رغم كونها خزّانًا رئيسيًا لثروات البلاد. فالمنطقة لم تكن مجرد مصدر للطاقة والمحاصيل الزراعية المهمة، بل كانت أيضًا نموذجًا صارخًا لفشل السياسات المركزية والتنموية. ففي الوقت الذي كانت فيه مؤشرات النمو الوطني تبدو مرتفعة، ظلّ سكان الجزيرة يعانون من صعوبات يومية، تضاعفت مع موجات الجفاف وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، وهو ما وضعهم في مواجهة مباشرة مع ضغوط اقتصادية متزايدة.

ثم جاءت الحرب لتفاقم الوضع، فغادرت آلاف الأسر منازلها، وتزايدت معدلات الفقر والبطالة، وانتشرت مشاهد النهب والتخريب للثروات الطبيعية. اليوم، يقف أمام الحكومة الانتقالية تحدٍ أكبر بكثير من مجرد إعادة السيطرة على حقول النفط والغاز؛ فالواقع الجديد يفرض إعادة بناء الخدمات العامة، وتحسين جودة الحياة، وفتح مصادر دخل مستدامة للأسر، لتصبح هذه العملية استعادة فعلية للحياة، لا مجرد رمزية اقتصادية.


المنطقة الشرقية: ثروات مهمة لكنها مهمشة
قبل عام 2011، شكّلت الجزيرة السورية حوالي 17.2% من سكان البلاد، إلا أن مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي ظلّت أقل من ربع الإجمالي الوطني. كانت الحسكة في المقدمة من حيث مساهمتها في قطاع التعدين واستغلال المحاجر (32.83%)، تلتها دير الزور (13.23%)، بينما كانت الرقة الأقل (2.32%). أما الزراعة والغابات والصيد، فبلغت مساهمتها نحو 10.5% لكل من الحسكة ودير الزور، و9.57% للرقة، ما جعل ترتيب المحافظات الشرقية متقدّمًا في هذا القطاع على المستوى الوطني.

على صعيد الطاقة، كانت المنطقة الشرقية مصدر 93.5% من إنتاج النفط قبل الأزمة، وبلغ إنتاجها اليومي حوالي 360 ألف برميل، توزعت بين الحسكة (225 ألف برميل)، ودير الزور (125 ألفًا)، والرقة (10 آلاف). كذلك وصل إنتاج الغاز الطبيعي إلى نحو 38% من إجمالي الإنتاج الوطني، مع مساهمة ملحوظة في الغاز المُسال (حوالي 70%).


الزراعة: العمود الفقري للاقتصاد المحلي
على الرغم من تحديات المناخ والجفاف، حافظت الزراعة على مكانتها في المنطقة. ففي عام 2010، ساهمت المحافظات الثلاث بنسبة 31% من الناتج المحلي الزراعي الوطني، مع إنتاج كبير للقمح (58% من الإنتاج الوطني)، والقطن (حوالي 74%)، إضافةً إلى الثروة الحيوانية، التي تضم ثلث قطيع الأغنام في البلاد. إلا أن التهميش الاقتصادي والسياسات الحكومية السابقة، بما في ذلك رفع الدعم عن الإنتاج الزراعي، أدى إلى زيادة الفقر، خاصة بعد موجة الجفاف الكبرى عام 2006 وما تلاها من نزوح جماعي.


الحرب وخسائر اقتصادية واجتماعية
خلال سنوات الحرب، تعرّضت الجزيرة السورية لخسائر جسيمة في البنية التحتية والموارد الطبيعية. تشير تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات إلى أن عمليات النهب والاستغلال غير المشروع للنفط والغاز وصلت قيمتها إلى حوالي 9.9 مليارات دولار، فيما تُقدر الخسائر الوطنية الشاملة بحوالي 116 مليار دولار. إضافة لذلك، تأثرت الزراعة، المصدر الرئيسي للدخل، بشكل كبير، واضطر المزارعون إلى استبدال المحاصيل التقليدية بأخرى أقل تكلفة، مع انخفاض الإنتاج المحلي.

الآثار الاجتماعية للحرب كانت واضحة أيضًا، إذ نزح نحو نصف مليون شخص من مناطقهم داخل المحافظات الثلاث أو نحو مناطق أخرى، وزادت معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي والبطالة، لتصبح من بين الأعلى على مستوى البلاد.


إعادة الإعمار: تحديات قبل المكاسب
استعادة الحكومة الانتقالية للسيطرة على المنطقة الشرقية، بغض النظر عن صيغة الاتفاق، تمثل تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا. فاستعادة الوضع قبل عام 2011 تتطلب استراتيجية طويلة المدى، تبدأ بتحقيق السلم الأهلي، وتشجيع النازحين على العودة، وإعادة تأهيل القطاع الزراعي، ثم إعادة تشغيل حقول النفط والبنية التحتية المرتبطة بها، والتي تحتاج لمئات الملايين من الدولارات.

النجاح في هذه العملية لن يكون فقط استعادة للأصول الاقتصادية، بل استعادة حقيقية للحياة الكريمة لسكان الجزيرة، الذين طال انتظارهم لتحقيق مستوى معيشة مستدام يعكس ثروات منطقتهم الكبيرة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5