السوريون والعودة الطوعية بعد التغير السياسي

2026.01.17 - 07:07
Facebook Share
طباعة

 تشهد ألمانيا خلال الأشهر الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في طلبات العودة الطوعية المقدمة من لاجئين سوريين، في تطور يعكس تداخل العوامل السياسية والأمنية مع سياسات اللجوء والهجرة. وتأتي هذه الظاهرة في سياق التحولات الجذرية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وما تبعها من إعادة تقييم ألمانية لمقاربات الحماية والعودة.

ووفقًا لبيانات رسمية صادرة عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، بلغ عدد السوريين الذين تقدموا بطلبات للحصول على دعم مالي للعودة الطوعية إلى بلادهم حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي 5976 شخصًا، في حين عاد فعليًا 3678 لاجئًا خلال الفترة ذاتها. وتشير هذه الأرقام إلى تسارع واضح مقارنة بالأشهر السابقة، إذ لم يكن عدد العائدين يتجاوز 2900 شخص حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول.


التحول السياسي في سوريا وتأثيره على القرار الفردي
يرتبط هذا الارتفاع الزمني بشكل مباشر بسقوط الحاكم السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو حدث اعتُبر نقطة تحول في تقييم الأوضاع داخل سوريا. وعلى إثر ذلك، بدأ المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بتفعيل برامج دعم وتشجيع العودة الطوعية، باعتبارها خيارًا فرديًا غير قسري.

ويشمل هذا الدعم، بحسب المكتب، تغطية تكاليف السفر، وتقديم مساعدات مالية تهدف إلى تسهيل إعادة الاندماج داخل سوريا، فضلًا عن تحمل نفقات العلاج الطبي في الحالات التي تستدعي ذلك. ويعكس هذا التوجه محاولة ألمانية لربط العودة الطوعية بإجراءات عملية تقلل من المخاطر الإنسانية المرتبطة بها.


العودة الطوعية مقابل الترحيل القسري
في المقابل، لا تزال مسألة الترحيل القسري للسوريين محل جدل سياسي وقانوني داخل ألمانيا. فبينما تؤكد الحكومة التزامها بمبدأ الحماية، بدأت في الوقت نفسه باتخاذ خطوات محدودة تجاه ترحيل فئات معينة. وقبيل عيد الميلاد الماضي، نُفذت لأول مرة عمليات ترحيل طالت أشخاصًا مدانين بارتكاب جرائم، في خطوة عُدّت اختبارًا لحدود السياسة الجديدة.

ويكشف هذا التوجه عن مسار مزدوج تتبعه السلطات الألمانية: من جهة تشجيع العودة الطوعية المدعومة ماليًا، ومن جهة أخرى الإبقاء على الترحيل كخيار استثنائي مرتبط بالأمن الداخلي، لا كسياسة عامة.


مراجعة ملفات اللجوء وتعليق الإجراءات
ضمن هذا السياق، كان المكتب الاتحادي قد علّق مؤقتًا إجراءات اللجوء الخاصة بالسوريين عقب التغيرات السياسية في بلادهم، في خطوة عكست حالة الترقب وعدم اليقين. غير أن هذه الإجراءات استُؤنفت لاحقًا لفئات محددة، بعد تقييم أولي للأوضاع الأمنية.

وتُظهر الأرقام أن السلطات الألمانية بتّت خلال العام الماضي في نحو 25,300 طلب لجوء، رُفض منها قرابة 9,600 طلب، وهو ما يعكس تشددًا نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة، دون الوصول إلى تغيير جذري في سياسة القبول.


الأقليات وسحب الحماية: حدود المراجعة
في الوقت نفسه، استُؤنفت جلسات الاستماع لطالبي اللجوء السوريين، باستثناء الأقليات العرقية والدينية التي لا تزال أوضاعها الأمنية غير مضمونة في ظل السلطات الجديدة في سوريا. ويشير هذا الاستثناء إلى استمرار اعتماد معايير تفاضلية في تقييم المخاطر، بدلًا من تعميم الأحكام.

وبالإضافة إلى ذلك، فحص المكتب الاتحادي في حوالي 17,800 حالة إمكانية سحب صفة اللجوء، إلا أن الحماية لم تُسحب فعليًا إلا في نحو 660 حالة فقط. ويعكس هذا الرقم المحدود حذرًا واضحًا في الانتقال من المراجعة النظرية إلى التطبيق العملي.


دلالات أوسع على سياسة اللجوء
بصورة عامة، تكشف هذه المعطيات عن مرحلة انتقالية في السياسة الألمانية تجاه اللاجئين السوريين، تقوم على إعادة التقييم بدل القطيعة. فالعودة الطوعية تُقدَّم كخيار مدعوم لكنه غير مفروض، في حين يبقى الترحيل القسري محصورًا في نطاق ضيق. وبين هذين المسارين، تحاول برلين الموازنة بين الالتزامات الإنسانية والاعتبارات السياسية والأمنية، في ظل واقع سوري لم تتضح ملامحه النهائية بعد.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 8