دخل التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت مرحلة أكثر تقدّمًا ووضوحًا، بعد سنوات من المعالجات الهادئة والاتصالات غير المعلنة، في إطار التعامل مع الملفات الأمنية العالقة المرتبطة بفلول النظام السوري المخلوع. هذا التحول يعكس انتقال الطرفين من تبادل المعلومات إلى خطوات عملية مباشرة تستهدف شبكات تنظيمية ومالية يُشتبه بنشاطها خارج الأراضي السورية.
وبحسب معطيات متقاطعة، شهدت العاصمة اللبنانية بيروت زيارة أمنية رسمية رفيعة المستوى، التقى خلالها مسؤول أمني سوري بارز بنظرائه في المؤسسة العسكرية والأمنية اللبنانية. وتم خلال اللقاء تسليم الجانب اللبناني لوائح موسعة تضم أسماء ضباط كبار من النظام السوري السابق، تطالب دمشق بتوقيفهم أو تشديد الرقابة على تحركاتهم داخل لبنان.
وتضم هذه اللوائح، وفق المعلومات المتوافرة، أسماء شخصيات عسكرية وأمنية ذات ثقل سابق، يُشتبه بضلوعها في إدارة أو تنسيق شبكات مالية وتنظيمية لا تزال ناشطة خارج سوريا. وتعتبر دمشق أن هذه الشبكات تمثل امتدادًا مباشرًا للبنية الأمنية السابقة، وتسعى، وفق تقييمها، إلى التأثير على الاستقرار الداخلي أو إعادة ترتيب صفوفها في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
وتأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من توقيف مواطن سوري في منطقة جبيل شمال بيروت، في إجراء عكس مستوى جديدًا من التعاون الأمني بين البلدين. ويخضع الموقوف لتحقيقات مكثفة تتعلق بشبهات حول دوره في إدارة مسارات مالية معقّدة يُعتقد أنها مرتبطة بتمويل مجموعات ذات طابع مسلح أو شبكات ولاء للنظام المخلوع.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الموقوف يُعد شخصية محورية في شبكة تحويلات مالية غير تقليدية، يُشتبه بارتباطها برجال أعمال وشخصيات نافذة من الدائرة الضيقة للنظام السابق. وتشمل هذه الشبكة عمليات نقل أموال عبر وسطاء، يُعتقد أنها كانت تُستخدم لدعم مجموعات محلية في مناطق الساحل السوري، تحمل تسميات مختلفة وتضم عناصر عسكرية سابقة.
ويرى متابعون للملف أن توقيف هذا الشخص شكّل نقطة تحوّل دفعت دمشق إلى تسريع خطواتها وتسليم اللوائح الأمنية دفعة واحدة، في محاولة لقطع أي مسارات خارجية قد تُستخدم لإعادة تنظيم الفلول أو تمويل أنشطة تهدد الاستقرار الداخلي السوري.
وتضم اللوائح أسماء أكثر من 200 ضابط سابق، كانوا قد غادروا سوريا إلى لبنان عقب سقوط النظام في كانون الأول الماضي. وتشير المعطيات إلى أن بعض هؤلاء يُشتبه بإدارته قنوات تمويل، أو بلعب دور الوسيط بين شبكات مالية وشخصيات أمنية سابقة، في حين يُعتقد أن آخرين لا يزالون على صلة مباشرة بمكاتب أمنية عليا في النظام المخلوع.
وفي سياق متصل، تزامنت هذه التطورات مع توقيف مواطن لبناني في مطار بيروت الدولي، ضُبط بحوزته مبلغ مالي كبير. وبحسب التحقيقات الأولية، أفاد الموقوف بأن الأموال مخصصة لأهداف دينية واجتماعية، إلا أن الشبهات لا تزال قائمة حول احتمال ارتباط هذه الأموال بتمويل شبكات موالية للنظام السوري السابق.
وأكدت الجهات المعنية أن التحقيقات في هذا الملف لا تزال مفتوحة، وأن أي إجراء يُتخذ يخضع لمعايير قانونية وقضائية صارمة. كما أفادت معلومات بأن لبنان تلقى خلال الأسابيع الماضية تقارير أمنية من دول أوروبية وعربية، تطالب بالتحقق من وجود ضباط سوريين سابقين على أراضيه، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تنفيذ إجراءات ومداهمات محددة في عدد من المناطق.
في المقابل، أصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانًا رسميًا نفت فيه ما جرى تداوله حول توقيف مواطن سوري متورط في تمويل عمليات أمنية أو التخطيط لزعزعة استقرار النظام الحاكم الجديد في سوريا. وأكد البيان أن السوريين الموقوفين لدى الجيش محتجزون لأسباب مختلفة لا ترتبط بالتخطيط لعمليات خارج الأراضي اللبنانية، وأن التحقيق يجري معهم بإشراف القضاء المختص.
ويضع هذا الملف لبنان أمام اختبار أمني وقضائي بالغ الحساسية، في ظل تشابك الأبعاد السياسية والمالية والأمنية، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، تسعى دمشق إلى إغلاق أي مسارات خارجية قد تُستخدم لإعادة إنتاج نفوذ أمني سابق، أو لتهديد مرحلة الانتقال السياسي والأمني داخل سوريا.