تسجل الساحة السياسية الجزائرية موجة متصاعدة من انسحاب النخب المستقلة والحزبية من النقاش العام، بعد موجة المواقف الحادة للسلطة تجاه المعارضة والآراء المنتقدة للسياسات الحكومية ويعكس هذا الانسحاب حالة إحباط واسعة بين الناشطين والسياسيين الذين يقدمون نقداً موضوعياً ومتوازناً، ويطرحون حلولاً بديلة، مع إدراكهم أن أي موقف قد يتسبب في رد فعل قوي من قبل السلطات قد يضر بمساراتهم المهنية والاجتماعية والسياسية.
امتد هذا الانكفاء ليشمل شخصيات بارزة مثل الناشط السياسي إسلام بن عطية، الذي أعلن في 11 يناير اعتماد خيار "الصمت الاستراتيجي" بعد سلسلة من الخطابات الإقصائية الرسمية، والتي صنفت المعارضة ومن ينتقد السياسات الحكومية على أنهم أعداء الداخل والخارج، كما قرر الباحث الاقتصادي عبد المجيد سجال التوقف عن الكتابة في القضايا الاقتصادية العامة، مشيراً إلى أن تقديم النقد وتوصيات الحلول أصبح يعرضه لتهم مسبقة وتكييفات سلبية من السلطات، رغم حرصه على تقديم رؤى علمية وعملية.
وكانت التحركات الأخيرة للسلطة الجزائرية، من خلال وسائل الإعلام الرسمية، قد اتسمت بحدة النبرة تجاه أحزاب مثل "حركة مجتمع السلم"، متهمة إياها بمحاولة إشعال الشارع واستغلال الأزمات لتحقيق مكاسب سياسية. أرفقت تلك البيانات تصريحات لافتة من مجلة "الجيش"، التي اتهمت أحزاباً سياسية بالابتزاز واستغلال الأزمات لتصدير المشهد السياسي وتحقيق أجندات خارجية، ما زاد من قناعة النخب بعدم جدوى الانخراط في النقاش العام.
امتد تأثير هذه الضغوط ليشمل قادة أحزاب منظمة، إذ انسحبت شخصيات مثل زبيدة عسول، رئيسة حزب الاتحاد من أجل التغيير والرقي، وجيلالي سفيان، رئيس حزب جيل جديد، من مواقعهم القيادية، مشيرين إلى أن السلطة لم تعد تسمح بممارسة سياسية فاعلة ومستقلة، وأن دور الأحزاب بات شكلياً في ظل الحاجة لتوافق وطني يعيد تأسيس العمل السياسي.
يرى محللون سياسيون أن هذه الانسحابات لا تنتج فقط عن تضييق السلطة على المساحات العامة، وإنما أيضاً نتيجة قصور بعض النخب في إيجاد أدوات أكثر فاعلية للتأثير السياسي، وانعدام النفس الطويل للنضال السياسي الذي تتطلبه المرحلة الحالية ويضيفون أن مراجعة الواقع السياسي ضرورية لفهم المرحلة الراهنة، خصوصاً مع التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجه الجزائر، والتي تتطلب من النخب إعادة النظر في استراتيجياتها للمشاركة السياسية ضمن بيئة مشحونة بالقيود والضغوط.
تشكّل هذه الانسحابات المتتالية مؤشراً على هشاشة النقاش العام في الجزائر، وتحذيراً من تحوّل الساحة السياسية إلى مجال محدود للصوت المستقل، حيث يختار الناشطون والصحفيون والباحثون الانكفاء حفاظاً على مسارهم المهني، في حين تزداد أهمية البحث عن آليات حماية حرية التعبير والنقد الموضوعي لضمان استمرار النقاش السياسي البنّاء.