يُعيد ديوان المحاسبة في لبنان، منذ عام 2020، رسم موقعه داخل بنية السلطة، متجاوزًا دوره التقليدي كجهاز رقابي على الإنفاق العام إلى فاعل ذي طابع قضائي ـ سياسي، عبر اجتهادات أحدثت إرباكًا دستوريًا واسعًا وأسئلة متصاعدة حول حدود الصلاحيات ومعايير العدالة.
بدأ التحول مع تكريس صلاحية الديوان بمحاكمة الوزراء بوصفهم “بحكم الموظفين العامين”، من دون المرور بالآلية الدستورية الخاصة المنصوص عليها في المادة 70 من الدستور هذا التفسير، الذي ثبّته مجلس شورى الدولة في ملف وزير المالية السابق محمد الصفدي عام 2020، لم يستند إلى أي تعديل تشريعي جديد، وإنما إلى قراءة موسّعة لقانون المحاسبة العمومية، ولا سيما المادة 112 التي تُحمّل الوزير مسؤولية شخصية عن أي نفقة تتجاوز الاعتمادات، غياب التعديل التشريعي طرح تساؤلات جوهرية حول مشروعية هذا الاجتهاد وتوقيته.
يتقاطع هذا المسار مع إشكالية ازدواجية الملاحقة، إذ يصبح الوزير عرضة للمحاسبة أمام ديوان المحاسبة وأمام المجلس النيابي عن الفعل نفسه، في تعارض محتمل مع مبدأ عدم المحاكمة المزدوجة، كما يزيد الانقسام داخل الديوان نفسه من حدّة الإرباك، في ظل رفض مدّعين عامين وغرف عدة اعتماد هذا التوجه، ما يقوّض وحدة المعايير ويُضعف الأمن القضائي.
تعززت هذه الإشكاليات مع صدور القانون رقم 329 في 4 كانون الأول/ديسمبر 2024، الذي رفع الغرامات المالية إلى مستويات غير مسبوقة وصلت إلى عشرة آلاف ضعف هذا التضخم غيّر طبيعة العقوبة، محوّلًا الغرامة إلى أداة ضغط مالي هائل من دون ضوابط واضحة للتناسب أو مهَل زمنية محددة للملاحقة إذ بات احتساب المهلة مرتبطًا بتاريخ “علم” الديوان بالمخالفة، وهو معيار مفتوح يكرّس الاستنسابية.
وتبرز إشكالية إضافية في “التقارير الخاصة” التي يُعدّها الديوان، خصوصًا في ملف الاتصالات فالقانون لا يحدّد آليات تفعيل هذه التقارير ولا معايير اختيار القطاعات المشمولة بها، يفتح الباب أمام اتهامات بالانتقائية.
بعض هذه التقارير تجاوز التقييم الإداري إلى تحديد مسؤوليات فردية، واستُخدم لاحقًا كأساس لقرارات ذات طابع شبه جزائي، من دون ضمانات محاكمة مكتملة.
سياسيًا، يرى التيار الوطني الحر أن هذا المسار يشكّل عملية استهداف منظّم، بدأت بقضية المدير العام السابق لكازينو لبنان رولان خوري، ثم امتدت إلى ملف الوزير السابق نقولا صحناوي عبر سندات تحصيل بمبالغ ضخمة، ما حوّل المحاسبة إلى أداة ضغط سياسي وإعلامي قبل حسم الجدل القانوني حول الاختصاص.
في المحصلة، تتقاطع الاجتهادات المستحدثة، والغرامات المضخمة، وغياب المعايير الموحدة، لتطرح سؤالًا مركزيًا حول مستقبل الرقابة في لبنان: هل ما يجري تعزيز لحماية المال العام، أم انتقال إلى محاسبة انتقائية تُعيد توزيع موازين القوة؟ سؤال يبقى مفتوحًا في ظل غياب إطار واضح يضبط الرقابة ويضمن عدالة واحدة للجميع.