واجهت هيئة الإشراف على الانتخابات اللبنانية تحدياً كبيراً بعد أدائها اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويتمثل في غياب مقر مستقل يمكّنها من ممارسة مهامها بشكل فعلي ومنظم. الهيئة بحسب القانون تتمتع باستقلالية كاملة في قراراتها التنظيمية والإدارية، ما يجعل وجود موقع عمل منفصل بعيداً عن وزارة الداخلية أمراً ضرورياً لضمان هذه الاستقلالية، إلا أن النزاع القضائي القائم حول المقر السابق الذي كانت تشغله الهيئة السابقة حال دون استخدامه، تاركاً الهيئة الجديدة من دون قاعدة ثابتة للعمل أو بنية إدارية مكتملة.
هذا الواقع أدى إلى صعوبات في تنظيم فرق العمل وعقد الاجتماعات الدورية وإطلاق التحضيرات التقنية المتعلقة بالاستحقاقات المقبلة، والتي تتطلب تجهيزات دقيقة تشمل مراقبة الإنفاق الانتخابي وضبط وسائل الإعلام والإعلان وإعداد آليات المراقبة والمتابعة الفنية والتقنية، غياب المقر المستقل يعطل هذه العمليات ويزيد من احتمالية التأخير في الاستعدادات، قد يؤثر على قدرة الهيئة على تنظيم الانتخابات بكفاءة.
تعود جذور هذه المشكلة إلى الواقع الإداري في لبنان، حيث تواجه الهيئات المستقلة صعوبات في تأمين مقراتها بسبب التداخل بين السلطات القضائية والتنفيذية، وانتشار النزاعات على العقارات الحكومية والمملوكة للدولة. سجلت الهيئة السابقة صعوبات مماثلة أثناء عملها، ما أبرز هشاشة البنية المؤسسية للهيئات الرقابية، وجعل تأمين مقرات مستقلة أولوية أساسية لضمان استمرارية العمل دون عراقيل.
جاءت هذه العقبة في وقت حساس من المشهد السياسي اللبناني، إذ تتجه البلاد نحو استحقاقات انتخابية تشكل اختباراً لقدرة المؤسسات المستقلة على إدارة العملية الانتخابية وفقاً للدستور ووفق المعايير الدولية في الشفافية والنزاهة، تعكس قضية المقر تحدياً أوسع يتعلق بتأمين بيئة مؤسسية مستقلة تمكّن الهيئة من ممارسة سلطاتها دون تدخل خارجي أو قيود إدارية، وتبرز الحاجة الملحة لتوفير الدعم الحكومي الكامل والتمويل اللازم لتجهيز المقر، مما يضمن قدرة الهيئة على بدء التحضيرات العملية مبكراً وتفادي أي تعطيل محتمل للعملية الانتخابية، وحماية حقوق الناخبين، واستمرار المسار الديمقراطي في لبنان.