فرنسا بين الضغوط المحلية والاتفاقات التجارية

2026.01.15 - 10:25
Facebook Share
طباعة

 شهد محيط البرلمان الفرنسي في العاصمة تحولًا إلى ساحة احتجاج صامتة لكنها رمزية، حيث اصطف مئات المزارعين بجراراتهم الثقيلة أمام مقر السلطة التشريعية، في مشهد نادر يعكس عمق الأزمة الزراعية والضغط الاقتصادي على القطاع.

لم يقتصر الاعتصام على الضجيج الناتج عن الجرارات، بل حمل دلالات رمزية قوية، إذ اختار المحتجون التوجه مباشرة إلى قلب صنع القرار السياسي للتعبير عن رفضهم للسياسات الاقتصادية التي يرون أنها تهدد مهنتهم، لا سيما في ظل قرب توقيع اتفاقيات تجارية دولية تسمح بدخول منتجات بأسعار أقل ومعايير إنتاج مختلفة.

تأتي هذه التحركات في ظل تحديات حقيقية يواجهها قطاع الزراعة، تشمل تراجع المداخيل، ارتفاع كلفة الإنتاج، وضغوط متزايدة نتيجة السياسات البيئية والتجارة المفتوحة على الأسواق العالمية.

رمزية المكان ووحدة الرسائل

لم يكن هذا التحرك مجرد انفجار عفوي لغضب متراكم، بل كان خطوة مدروسة لرفع سقف الضغط على الحكومة وتوجيه رسالة واضحة للمسؤولين.
وجود نحو 500 جرار في منطقة حساسة أمنيًا يعكس الاستياء الكبير داخل القطاع واستعداد المزارعين للتصعيد إذا لم تُترجم الوعود إلى إجراءات عملية.

المزارعون أكدوا أن مطالبهم لم تتغير رغم السنوات الماضية، وأن الاستجابة الحكومية كانت محدودة وغير كافية، ما دفعهم إلى اللجوء إلى إغلاق الشوارع المحيطة بالبرلمان ورفع شعارات واضحة للدفاع عن مصالحهم.

مطالب اقتصادية ملموسة

ركز المحتجون على مطالب محددة تتعلق بالعمل الزراعي، تتجاوز الشعارات العامة وتشمل:

وقف أي مسار يؤدي إلى المصادقة على اتفاقيات تجارية تسمح بدخول منتجات لا تلتزم بالمعايير المحلية.

تبسيط الإجراءات الإدارية والبيروقراطية لتسهيل عمل المزارعين، بما في ذلك إعداد الطلبات وبناء الحظائر وتطوير المشاريع الزراعية.

ضمان المساواة في تطبيق القوانين الصحية والبيئية بين المنتجات المحلية والمستوردة.

توفير التعويضات للمزارعين المتضررين من الأمراض أو الخسائر الإنتاجية، بما يشمل مزارعي الكروم والماشية.

اتفاقيات تجارية تحت المجهر

تثير الاتفاقيات التجارية الدولية، مثل اتفاقية "ميركوسور"، قلق المزارعين بسبب دخول منتجات بأسعار أقل ومعايير إنتاج مختلفة عن تلك المفروضة محليًا، ما يؤدي إلى منافسة غير متكافئة وتهديد للقطاع الزراعي المحلي.
يشدد المحتجون على ضرورة إنتاج منتجات وفق المعايير نفسها المطبقة على الواردات لضمان حماية الزراعة الوطنية واستدامة الدخل.

التوتر بين القطاع الزراعي والحكومة

بعد ساعات من المناقشات بين ممثلي المزارعين والحكومة، خرجت النقابات لتطمين المحتجين، مع التأكيد على استمرار التفاوض لمعالجة القضايا الأساسية، بما يشمل الإنتاج، إدارة الموارد، والامتثال للوائح البيئية.

إعلان الحكومة عن قانون زراعي طارئ يعكس إدراكها لحساسية الموضوع، لكنه لم يلبِ كامل مطالب المزارعين، الذين طالبوا بتغييرات ملموسة في القروض، إعادة هيكلة التدفقات المالية، وتبسيط المعايير.

استمرار النضال وخطط المستقبل

المزارعون حددوا جدولًا مستقبليًا لمواصلة الضغط، بما في ذلك التظاهر على المستوى الأوروبي في حال توقيع الاتفاقيات التجارية، بالتعاون مع منظمات زراعية أوروبية أخرى.

توضح الاحتجاجات الأخيرة أن القطاع الزراعي الفرنسي يمر بمرحلة حرجة تتطلب حلولًا طويلة المدى، مع ضرورة التوازن بين حماية البيئة، التزامات التجارة الدولية، واستدامة الدخل المحلي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5