في قلب العاصمة التونسية، وبين جدران قصر قرطاج الفخم، ارتسمت ليلة الثالث عشر من يناير/كانون الثاني 2011 بقلق استثنائي لم تعرفه تونس منذ عقود، كان الهواء مشحونًا بالارتباك والخوف، شعور يتغلغل في الشوارع منذ زمن طويل، لكنه هذه المرة اقتحم مكتب الرئيس نفسه، زين العابدين بن علي، الذي قضى ثلاثة وعشرين عامًا في قيادة البلاد بقبضة من حديد، وجد نفسه وجهاً لوجه مع غضب شعب لم يعد يحتمل.
في تلك اللحظة، بدا الرجل الذي اعتاد أن تكون سلطته بلا منازع أكبر سنًا وأكثر هشاشة مما تصوره الناس من صور معلّقة في كل زاوية، خطابه الذي ألقاه تلك الليلة لم يعد يشي بالثقة أو السيطرة؛ الكلمات خرجت متعثرة، والنبرة مليئة بالانكسار لأول مرة، كما لو أن التاريخ ذاته كان يعيده إلى الحساب مع شعبه، ليكشف أن كل صور القوة والأمن التي سادتها عقود قد انهارت فجأة أمام صرخة الحشود.
بذور الوطنية والانضباط:
وُلد زين العابدين بن علي في الثالث من سبتمبر/أيلول 1936 بمدينة حمام سوسة الساحلية. نشأ في أسرة متوسطة الحال، ولم يكن لأسرته نفوذ سياسي أو مالي، لكن الطموح والانضباط العسكري كانا جزءًا من تكوينه المبكر.
التحق بثانوية سوسة، حيث بدأت أولى ملامح الصراع مع السلطة الاستعمارية الفرنسية، إذ سُجن بسبب نشاطه المقاوم، لتتشكل لديه قناعة مبكرة بأن القوة والانضباط هما الطريق للسلطة والتقدم.
تلقّى تدريبه العسكري والاستخباراتي في فرنسا، وعاد إلى تونس رجلاً مجهزًا بخبرة أمنية متقدمة التحق بالأجهزة الأمنية، وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيس الأمن العسكري، وضعه في قلب الدولة وأعطاه قدرة على التحكم بالتحركات السياسية والاجتماعية قبل أن يظهر على السطح السياسي كخيار الاستقرار البديل لنظام بورقيبة المتداعي.
ليلة الانقلاب الأبيض:
في خريف 1987، ومع تقدم الحبيب بورقيبة في السن، بدا القصر في حالة ارتباك مستمر، بينما صعود التيارات الإسلامية أربك المشهد السياسي.
في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني، استغل بن علي هذه الفرصة لإزاحة بورقيبة عبر ما يُعرف بـ"الانقلاب الأبيض"، مستخدمًا تقريرًا طبيًا يثبت "العجز الدائم" للرئيس، وفعّل الدستور لتولي منصب الرئاسة بشكل قانوني.
في خطاب إذاعي، وعد بن علي بعدم الترشح للرئاسة مجددًا، وفتح صفحة جديدة من التعددية السياسية، منح حكمه شرعية مزدوجة: داخلية بوصفه مخلصًا من عهد بورقيبة، وخارجية كضامن للاستقرار.
سنوات الخديعة والعقد الاجتماعي الجديد:
كانت الأشهر الأولى بعد توليه الحكم بمثابة "شهر عسل سياسي"، إذ أُفرج عن السجناء، وعادت الصحف والأحزاب للعمل، وبدأت اللقاءات مع الإسلاميين لكن الواقع كان مختلفًا: بن علي، القادم من خلفية أمنية، لم يكن مؤمنًا بالتعددية، وانما استخدم الانفتاح تكتيكًا لضمان السيطرة على مفاصل الدولة.
مع انتخابات 1989، وبعد فوز حركة النهضة الشعبي، تحوّل النظام إلى القمع المكثف ضد المعارضة، مع دعم خارجي سلبي يهدف إلى الحفاظ على "الاستقرار".
وفي التسعينيات، تأسس ما يُعرف بـ"العقد السلطوي الاجتماعي": الدولة توفر الأمن والتنمية نسبية، والمجتمع يقدم الولاء السياسي ويخضع للهيمنة الأمنية، في إطار دولة بوليسية قاسية.
الزواج من ليلى الطرابلسي والفساد العائلي:
في خضم هذا المشهد، أُبرم زواج بن علي من ليلى الطرابلسي، الأمر الذي غيّر طبيعة الحكم بشكل جذري فقد أتاح هذا الزواج لليلى وأشقائها السيطرة على الاقتصاد والإدارة والإعلام، لتصبح السلطة ملكًا عائليًا، فيما سقطت القيم الأخلاقية والسياسية للنظام تحت وطأة المحسوبية والفساد.
تحوّلت صورة ليلى إلى رمز للسلطة المتغطرسة والاستحواذ الاقتصادي، وسرعان ما أصبحت "الطرابلسية" مرادفًا للنهب والتسلط، مما أضر بشرعية بن علي وأدى إلى تراكم الغضب الشعبي.
جمهورية الخوف وصمت ما قبل العاصفة:
مع دخول الألفية الجديدة، أصبح بن علي يهيمن على كل مؤسسات الدولة، وأعلنت نتائج انتخابات 1999 فوزه بنسبة 99.4%، ما رسّخ "الجمهورية الشخصية" تضخم الجهاز الأمني، وانتشر المخبرون في كل مكان، وأصبح الخوف نمط حياة.
في المقابل، روج النظام دوليًا لنجاح اقتصادي واستقرار سياحي، لكن الواقع كان متناقضًا: التنمية اقتصرت على الشريط الساحلي، بينما مناطق الداخل غارقة في الفقر، ومعظم الشباب الخريجين من الجامعات عاطلون عن العمل.
شرارة الثورة وانهيار النظام:
بدأت الانتفاضة الفعلية في ديسمبر/كانون الأول 2010 في سيدي بوزيد، بعد حادثة بائع الخضار محمد البوعزيزي تراكم الغضب الشعبي ضد البطالة والفساد والإقصاء الاجتماعي أدى إلى موجة احتجاجات سريعة، امتدت إلى القصرين وتالة ثم العاصمة.
تراجع أجهزة الأمن، وتحلّت المؤسسة العسكرية بالحياد، فيما بدأت القوى الدولية تمارس ضغوطًا على بن علي. في 14 يناير/كانون الثاني 2011، اضطر الرئيس وزوجته لمغادرة تونس، منهياً حكمًا دام ثلاثة وعشرين عامًا في ساعات قليلة.
الإرث ومخاض الانتقال العسير
بعد سقوط النظام، دخلت تونس مرحلة انتقالية معقدة، شملت إعادة بناء المؤسسات السياسية والأحزاب، وإصلاح الأجهزة الأمنية، ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ولعبت القوى الإقليمية والدولية دورًا مزدوجًا في دعم الديمقراطية أو توجيه المسار بما يخدم مصالحها.
تجربة الانتقال أظهرت صعوبة تحقيق التوازن بين الحرية والاستقرار، وبين مطالب الشعب وضرورات الدولة، وتركت إرثًا نفسيًا وسياسيًا مستمرًا في الوعي التونسي، فيما لا تزال الأسئلة حول بناء دولة قوية ومستقرة دون ديكتاتورية عالقة في الذاكرة الوطنية.