في أعقاب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، تواجه المنظمة أزمة ثقة واسعة بين جمهورها التقليدي في المدينة. فقدان السيطرة العسكرية في هذه الأحياء المفصلية شكّل ضربة غير متوقعة لقوتها الميدانية، وأثار تساؤلات حول مدى قدرتها على الحفاظ على مناطق نفوذها السابقة، خاصة في ظل الانقسامات الداخلية والتحديات المتصاعدة في مناطق شمال شرقي سوريا.
تأتي هذه الهزيمة في وقت كانت "قسد" تسوق فيه لنفسها كقوة منظمة وقادرة على الصمود، مع الترويج لإمكاناتها الدفاعية الكبيرة التي تشمل الأنفاق والمخابئ والتحصينات في المناطق الحضرية، وهي أساليب كان يُفترض أن تمنحها أفضلية في مواجهة أي هجوم. ومع ذلك، لم يسفر هذا التجهيز عن مقاومة فعلية تذكر خلال المواجهات الأخيرة، ما أدى إلى انسحاب سريع وانشقاقات واسعة بين صفوف مقاتليها، تاركاً القليل من العناصر لمواجهة الهجوم العسكري.
في محاولة لترميم صورتها أمام جمهورها، لجأت "قسد" إلى حملات دعائية مكثفة، أبرزها إبراز قادة محددين على أنهم رموز البطولة والصمود، وتصوير المعارك على أنها صمدت لعدة أيام رغم الانكسارات. هذه الخطوة تهدف إلى إعادة بناء سردية القوة وإظهار قدرة التنظيم على الاستمرار رغم الخسائر. إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن الأداء العسكري الفعلي كان محدوداً، وأن الانسحابات والانشقاقات اليومية أثرت بشكل كبير على قدرة التنظيم على الدفاع عن المناطق التي كان يسيطر عليها.
كما ركزت التغطية الإعلامية للتنظيم على خلق رمزية لبعض الشخصيات، في محاولة لصنع أساطير بطولية، لكن هذه المحاولات لم تنجح في إخفاء حجم الانكسار الذي شهدته صفوفها، ولا في مواجهة النقد الواسع على وسائل التواصل الاجتماعي الذي أظهر إحباط الجمهور من التناقض بين الشعارات الإعلامية والواقع الميداني.
من ناحية أخرى، أظهرت العملية العسكرية التي نفذها الجيش السوري قدرة عالية على التخطيط والتنظيم ضمن منطقة حضرية مكتظة بالسكان، مع الحفاظ على سلامة المدنيين إلى حد كبير، ما عزز صورته كقوة منظمة ومتطورة في الأداء الميداني، في مقابل ضعف الأداء الدفاعي لـ"قسد" رغم امتلاكها للوسائل الدفاعية المتقدمة.
هذه التطورات تضع "قسد" أمام تحدٍ حقيقي لاستعادة مصداقيتها في مناطق نفوذها الأخرى، إذ أن الهزيمة في حلب تثير مخاوف من انتقال تأثيراتها إلى مناطق الجزيرة السورية، وتقليل المكاسب السياسية والعسكرية المتوقعة في تلك المناطق. ويبدو أن أي محاولة لإعادة بناء صورة إيجابية أمام جمهورها لن تكون ممكنة إلا عبر تحقيق نجاحات ميدانية ملموسة، وهو أمر قد يكون صعباً في ظل تراجع الثقة وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية.
في النهاية، تكشف تجربة الشيخ مقصود والأشرفية عن فجوة كبيرة بين الصورة الإعلامية التي تحاول "قسد" تسويقها وبين الواقع الميداني، وتطرح تساؤلات حول مستقبل التنظيم وإمكانية استعادة قوته وقدرته على التأثير في مناطق نفوذها على المدى القريب، وسط تحديات مستمرة تواجهها على الأرض وفي المجال الإعلامي على حد سواء.