مع دخول الاحتجاجات في إيران أسبوعها الثالث، رفعت إسرائيل مستوى التأهب إلى الدرجة القصوى على الجبهة الداخلية، وعززت جاهزية سلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي، تحسبا لاحتمالات تصعيد مفاجئ قد ينجم عن رد إيراني محتمل، ولا سيما في حال أقدمت الولايات المتحدة على توجيه ضربة عسكرية لطهران.
وتتعامل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مع تطورات الوضع في إيران باعتبارها عاملا شديد الحساسية، يمكن أن يقود إلى تغيرات سريعة في المشهد الإقليمي، ويضع إسرائيل في دائرة الاستهداف، سواء بشكل مباشر أو ضمن سياق مواجهة أوسع تشمل الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة.
استعدادات داخلية وحذر إعلامي
وفي إطار هذه الاستعدادات، أصدرت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية تعليمات مشددة للسلطات المحلية بضرورة الاستعداد الكامل لمختلف السيناريوهات، بما في ذلك تجهيز الملاجئ ورفع مستوى الجاهزية المدنية. وفي الوقت ذاته، شددت القيادة على تجنب إطلاق تهديدات مباشرة أو تصريحات استفزازية تجاه إيران، تفاديا لإثارة القلق في أوساط الإسرائيليين، ومحاولة الإيحاء بأن الحياة اليومية تسير بشكل طبيعي رغم حالة الاستنفار.
ورغم هذا الحرص الإعلامي الظاهر، فإن المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل تواصلان عقد مشاورات مكثفة ومتواصلة لتقييم الجهوزية العسكرية والمدنية، في ظل ما تصفه مصادر إسرائيلية بحالة استنفار غير مسبوقة، تحسبا لأي تطور مفاجئ مرتبط بالملف الإيراني.
مشاورات أمنية مكثفة
ويجري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة، مباحثات أمنية متواصلة مع رئيس الأركان إيال زامير، إلى جانب عقد جلسات متلاحقة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية “الكابينت”.
وتعكس هذه اللقاءات المتكررة استعدادا إسرائيليا لسيناريوهات متعددة، قد تشمل مواجهة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة مع إيران، في حال تطورت الأوضاع على نحو مفاجئ أو خرجت عن السيطرة.
تحذيرات من مواجهة متعددة الجبهات
وخلال جلسات مغلقة، حذرت أجهزة الأمن الإسرائيلية من احتمال اندلاع مواجهة مفاجئة على أكثر من جبهة، من بينها الجبهة الإيرانية، في وقت أوعز فيه رئيس الأركان بالحفاظ على أعلى درجات الجاهزية، وفق ما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
وأفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان 11” بأن تل أبيب تراقب الاحتجاجات في إيران عن كثب، وتعتبرها أخطر تحد داخلي يواجه النظام الإيراني منذ عام 1979، مع الإقرار في الوقت نفسه بوجود قيود موضوعية لا تزال تحد من قدرة هذا الحراك على إحداث تغيير حاسم في بنية النظام.
وفي السياق ذاته، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر أمنية تحذيرها الوزراء من الإدلاء بأي تصريحات علنية تتعلق بإيران، خشية أن تؤدي مواقف غير محسوبة إلى تصعيد غير مقصود.
وأكد أحد المسؤولين، بحسب القناة، أن “الوضع متوتر بما فيه الكفاية، وأي تصريح قد يجر إسرائيل إلى مواجهة لا ترغب فيها في هذه المرحلة”.
هواجس سوء التقدير
وحسب تقديرات أميركية وإسرائيلية متقاطعة، فإن الخطر الأكبر في المرحلة الحالية لا يكمن فقط في نوايا الأطراف، بل في احتمال سوء التقدير المتبادل، الذي قد يدفع أحد الطرفين إلى استباق هجوم متوهم من الطرف الآخر، بما يؤدي إلى انفجار غير مخطط له.
وترى هذه التقديرات أن التركيز الأميركي المتزايد على احتمالات تغيير النظام في إيران يفرض على إسرائيل قدرا كبيرا من الحذر، لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد لا تحتملها جبهتها الداخلية، في ظل ما تملكه إيران من قدرات صاروخية، واستحضارا لتجربة المواجهة المحدودة التي شهدها الجانبان في يونيو/حزيران 2025.
وعليه، تفضل تل أبيب في المرحلة الراهنة التزام الحذر، وترك زمام المبادرة بيد الولايات المتحدة، مع الحفاظ على مستوى عال من التنسيق الأمني معها، ومواصلة رفع الجاهزية والاستعداد لأي طارئ.
رفع الجاهزية العسكرية
وبحسب مراسل الشؤون العسكرية في القناة 12 الإسرائيلية شاي ليفي، فإن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إمكانية توجيه ضربة للنظام الإيراني، إلى جانب استمرار الاحتجاجات الداخلية في طهران، دفعت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى رفع مستوى الجاهزية وإجراء تقييمات متواصلة للوضع، بإشراف مباشر من رئيس هيئة الأركان.
وأوضح ليفي أن الجيش الإسرائيلي أجرى، يوم الأحد، سلسلة من التقييمات والمشاورات الأمنية، أعقبها رفع مستوى الجاهزية العملياتية، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، وتكثيف جمع المعلومات الاستخبارية.
وأكد أن الجيش مستعد للرد بقوة واتخاذ كل ما يلزم لحماية الإسرائيليين في حال تطورت الأوضاع إلى مواجهة مباشرة مع إيران، مشيرا إلى أن إسرائيل تتعامل مع أي تدخل أميركي محتمل باعتباره تطورا قد يغير ميزان الاستقرار الإقليمي بسرعة، ويضعها في دائرة الرد الإيراني المحتمل.
مخاوف من تصعيد خارجي
وأشار ليفي إلى أن تل أبيب تتابع التطورات في إيران عن كثب، ورغم أن الجيش الإسرائيلي يعتبر الاحتجاجات شأنا داخليا إيرانيا، فإن التقديرات الأمنية ترجح أن أي اهتزاز كبير للنظام قد يدفع طهران إلى توجيه رسائل ردع خارجية، قد تشمل استهداف إسرائيل أو قواعد أميركية في المنطقة، ما يثير مخاوف من تصعيد متعدد الجبهات.
ومن جانبه، يرى المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، أن إسرائيل تتعمد خفض مستوى ظهورها الإعلامي إزاء الاحتجاجات في إيران، وتتجنب الإدلاء بتصريحات علنية، خشية أن يسهم ذلك في توحيد صفوف النظام الإيراني ضدها، من خلال تصوير ما يجري على أنه نتيجة “تدخلات خارجية” تقودها إسرائيل والولايات المتحدة.
وأشار أشكنازي إلى أن هذا النهج الإسرائيلي الحذر يختلف عن خطاب الرئيس الأميركي ترامب، الذي لوح صراحة بإمكانية توجيه ضربة عسكرية إذا واصلت طهران قمع الاحتجاجات بعنف مفرط.
العمل بصمت بدل التصعيد
وفي المقابل، تفضل تل أبيب العمل بصمت، إدراكا منها أن أي تصعيد لفظي قد يُستغل داخليا في إيران لحشد الشارع خلف القيادة السياسية وتبرير خطوات عسكرية خارجية.
وحسب تحليل أشكنازي، فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات، تتابع تطورات الوضع الإيراني بشكل لصيق، وتستعد لسيناريو قد تشعر فيه القيادة الإيرانية بأنها محاصرة داخليا وخارجيا، ما قد يدفعها إلى توجيه ضربات صاروخية ضد أهداف أميركية في المنطقة، وكذلك ضد إسرائيل.
وفي مثل هذا السيناريو، يتوقع أن تجد إسرائيل نفسها مضطرة للرد، لا سيما عبر سلاح الجو، مستندة إلى ما تعتبره تفوقا جويا وقدرات استخبارية متقدمة داخل إيران.
هاجس الضربة الاستباقية
من جهته، قال المحلل العسكري في موقع “زمان يسرائيل” أمير بار شالوم إن إسرائيل تتابع بترقب بالغ تطورات الوضع في إيران، وتجري تقييما يوميا للمخاطر، محذرا من أن احتمال إقدام طهران على خطوة “يائسة” بات مطروحا.
وأوضح أن النظام الإيراني قد يلجأ إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل في محاولة لخلط الأوراق وصرف أنظار الشارع عن الاحتجاجات الداخلية، معتبرا أن مثل هذا الخيار سيكون “رهانا خطيرا” قد يؤدي إلى تصعيد واسع.
وأضاف بار شالوم أن إسرائيل، وربما الولايات المتحدة أيضا، سترد على أي هجوم من هذا النوع، مشيرا إلى أن التصعيد قد يساهم في إخماد المظاهرات مؤقتا، لكنه لا يضمن تماسك الشارع الإيراني خلف قيادته الحالية.
ولتفادي أي سوء تقدير في هذه المرحلة شديدة الحساسية، أشار إلى أن نتنياهو أصدر تعليماته للوزراء بالتزام الصمت الإعلامي وعدم إجراء مقابلات حول الملف الإيراني، خشية أن تفسر تصريحاتهم على أنها تمهيد لهجوم إسرائيلي وشيك، الأمر الذي قد يضع طهران في زاوية حرجة ويدفعها إلى تنفيذ ضربة استباقية ضد إسرائيل.
وبين الاستنفار العسكري، والحذر السياسي، وتزايد الغموض الإقليمي، تجد إسرائيل نفسها في حالة تأهب قصوى، تترقب تطورات الداخل الإيراني وما قد تحمله من تداعيات تتجاوز حدود إيران، وتهدد بإشعال مواجهة إقليمية واسعة في أي لحظة.