أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن العلاقات بين سوريا ومصر ليست مسألة بروتوكولية أو خيارا ثانويا، بل تمثل “واجبا سياسيا وإستراتيجيا”، مشددا على ضرورة أن تسير هذه العلاقة في مسارها الصحيح بما يخدم مصالح البلدين والمنطقة العربية ككل.
وجاءت تصريحات الشرع خلال لقائه، يوم الأحد، وفدا من اتحاد الغرف التجارية المصرية في العاصمة السورية دمشق، حيث خصص جزءا كبيرا من حديثه للحديث عن الأبعاد التاريخية والجيوسياسية للعلاقة بين البلدين، والدور المحوري الذي لعبه التقارب السوري المصري عبر العقود في تعزيز استقرار المنطقة.
بعد تاريخي وجيوسياسي
واستهل الرئيس السوري حديثه بالتأكيد على أن التاريخ يثبت أهمية التكامل بين دمشق والقاهرة، قائلا: “الحقيقة عبر كل التاريخ، دائما كان التكامل السوري المصري أمرا أساسيا لاستقرار المنطقة، سواء على مستوى التكامل الاقتصادي أو الاستقرار الأمني والإستراتيجي”.
وأوضح الشرع أن البلدين يواجهان تحديات متشابهة، سواء على الصعيدين السياسي أو الاقتصادي، معتبرا أن أي تقارب بين سوريا ومصر لا ينعكس إيجابا على الدولتين فقط، بل يسهم في تقوية الأمة العربية ككل. وأضاف: “نحن ومصر نعاني من نفس الإشكالات والتحديات، وعندما يحصل تقارب سوري مصري، لا تستفيد الدولتان فحسب، بل تقوى الأمة العربية بأكملها”.
الشركات المصرية وإعادة الإعمار
وفيما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، أكد الشرع أن الشركات المصرية تعد الأجدر والأولى بالمشاركة في جهود إعادة إعمار سوريا، مشيرا إلى أهمية الاستفادة من التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة.
وقال إن مصر راكمت خبرات كبيرة، خاصة خلال العقد الأخير، برعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة، معتبرا أن هذه الخبرات يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في عملية إعادة بناء ما دمرته الحرب في سوريا.
شراكات إستراتيجية واسعة
وشدد الرئيس السوري على رغبة بلاده في بناء شراكات إستراتيجية طويلة الأمد مع مصر، تشمل عددا من القطاعات الحيوية، من بينها تطوير الموانئ، والتنقيب عن الغاز في سواحل البحر المتوسط، وإصلاح القطاعات النفطية، وتحديث شبكات السكك الحديدية.
كما أشار إلى مشروع مد إمدادات الفايبر الضوئي (الألياف البصرية) عبر الجغرافيا السورية، بهدف ربط أوروبا بالصين، معتبرا أن الموقع الجغرافي لسوريا يؤهلها لتكون ممرا إستراتيجيا للتجارة والاتصالات الدولية.
وتطرق الشرع أيضا إلى أهمية إنشاء “سلة غذائية” مشتركة تضم سوريا ومصر والعراق، بهدف تلبية احتياجات المنطقة من السلع الغذائية الأساسية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد من قارات بعيدة، وما يترتب على ذلك من كلف مالية مرتفعة.
تسهيلات للاستثمار المصري
ولفت الرئيس السوري إلى أن السوق السورية تشبه إلى حد كبير السوق المصرية من حيث طبيعة الاستهلاك والفرص المتاحة، مؤكدا أن التعامل الاقتصادي بين الجانبين يمكن أن يتم “من دون أي تعقيد”.
وأكد في هذا السياق أن الدولة السورية ستقدم كل التسهيلات الممكنة لدعم الاستثمارات المصرية داخل البلاد، وتهيئة بيئة أعمال جاذبة تضمن مصالح المستثمرين وتسهم في تحريك عجلة الاقتصاد.
كما أعرب الشرع عن شكره وامتنانه للشعب المصري على استقباله للاجئين السوريين خلال سنوات الحرب، قائلا إن هذا الموقف يعكس القيم الأصيلة للشعب المصري المعروف بكرمه وتضامنه، ومؤكدا أن ما قدمته مصر للسوريين “ليس غريبا عن طباع إخواننا المصريين”.
الاستثمارات السورية في مصر
ومنذ عام 2011، تحولت مصر إلى بيئة حاضنة للاستثمارات السورية، حيث انتقل آلاف الصناعيين ورجال الأعمال السوريين إليها، وأعادوا تأسيس أعمالهم في قطاعات حيوية، من بينها الصناعة والتجارة والخدمات.
وبحسب إحصاءات وزارة التجارة السورية، يوجد نحو 30 ألف مستثمر سوري في مصر، أسسوا أكثر من 16 ألفا و300 شركة، إضافة إلى نحو 7 آلاف معمل وورشة. وقدرت حجم هذه الاستثمارات بمليارات الدولارات، فضلا عن تسجيل 1403 شركات ومؤسسات سورية جديدة في مصر خلال النصف الأول من عام 2025.
مرحلة جديدة بعد 2024
وتأتي هذه التحركات في إطار سعي الحكومة السورية، منذ إسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، إلى تحسين الواقع الاقتصادي الداخلي، وإعادة بناء علاقاتها مع الدول الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، بهدف جذب رؤوس الأموال وتشجيع رجال الأعمال والمستثمرين على المشاركة في عملية إعادة الإعمار ودعم الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
ويعكس لقاء الشرع مع وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية توجها رسميا سورياً لإعادة تفعيل العلاقات الاقتصادية العربية، ووضع التعاون مع القاهرة في صدارة أولويات السياسة الخارجية والاقتصادية لدمشق في المرحلة المقبلة.