احتجاجات ايران.. إسرائيل تترقب وواشنطن تراجع الخيارات

2026.01.12 - 08:41
Facebook Share
طباعة

 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ساعة مبكرة من صباح اليوم الاثنين، أنه يدرس مجموعة واسعة من الردود المحتملة على الاضطرابات المتصاعدة في إيران، في ظل استمرار الاحتجاجات التي تشهدها البلاد منذ أكثر من أسبوعين. وتشمل هذه الردود، بحسب تصريحات ترامب، خيارات قوية قد تصل إلى التدخل العسكري، في وقت يتزايد فيه الجدل داخل الولايات المتحدة حول جدوى هذا النهج وتداعياته.
وخلال حديثه إلى الصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، سُئل ترامب عمّا إذا كانت إيران قد تجاوزت ما وصفه سابقا بـ”الخط الأحمر”، والمتمثل في قتل المتظاهرين. فأجاب قائلا: “يبدو أنهم بدؤوا يفعلون ذلك”، مضيفا أن إدارته تتابع التطورات “بجدية بالغة”، وأن الجيش الأميركي منخرط في متابعة الأوضاع عن كثب، مؤكدا أن واشنطن تدرس “خيارات قوية جدا” وأن قرارا سيُتخذ في الوقت المناسب.
وأكد ترامب أن لدى الولايات المتحدة أدوات ضغط وخيارات شديدة القوة في التعامل مع إيران، مشددا على أن بلاده “سترد بحزم على أي تصرف”، ومهددا بأن الولايات المتحدة “ستهاجم إيران بطريقة لم يشهدوها من قبل” إذا استمرت السلطات الإيرانية في ممارسة العنف ضد المحتجين.
وفي سياق متصل، أشار ترامب إلى أن إدارته تعمل حاليا على مسألة تزويد الإيرانيين بخدمة الإنترنت في ظل الانقطاع الشامل المفروض داخل البلاد، لافتا إلى أنه بحث هذا الأمر مع رجل الأعمال إيلون ماسك، في إشارة إلى احتمال الاستفادة من تقنيات الاتصال عبر الأقمار الصناعية.

خيارات عسكرية وإلكترونية واقتصادية
وفي موازاة تصريحات الرئيس، كشف مسؤول في البيت الأبيض أن ترامب أُطلع بالفعل على مجموعة من الخيارات المتعلقة بشن ضربات عسكرية داخل إيران، موضحا أن هذه الخيارات قد تشمل أهدافا عسكرية وأخرى مدنية. وأضاف المسؤول أن الرئيس يدرس بجدية مسألة إصدار تفويض لشن هجوم عسكري، رغم أن القرار النهائي لم يُتخذ بعد.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين أن ترامب سيتلقى يوم الثلاثاء المقبل إحاطة مفصلة حول خيارات محددة للرد على الاحتجاجات الجارية في إيران. وبحسب الصحيفة، سيشارك في هذا الاجتماع كبار مسؤولي الإدارة الأميركية، لمناقشة الخطوات المقبلة التي قد تشمل تعزيز نشاط المصادر المناهضة للحكومة الإيرانية على الإنترنت، وتنفيذ ضربات إلكترونية سرية ضد مواقع عسكرية ومدنية داخل إيران، إلى جانب فرض عقوبات إضافية على النظام، وحتى اللجوء إلى عمل عسكري مباشر.
وأوضحت الصحيفة أن من غير المتوقع أن يصدر ترامب قرارا نهائيا خلال هذا الاجتماع، نظرا لأن المداولات لا تزال في مراحلها الأولى. كما أبدى بعض المسؤولين الأميركيين مخاوف من أن أي تدخل مباشر قد يخدم دعاية النظام الإيراني، ويساعده على تصوير الاحتجاجات باعتبارها مؤامرة خارجية.
كما كشفت وول ستريت جورنال عن إرسال مذكرات إلى عدد من الوكالات الحكومية الأميركية لطلب آرائها بشأن ردود محددة محتملة، بما في ذلك تحديد أهداف عسكرية وخيارات اقتصادية، قبيل اجتماع ترامب المرتقب. وذكرت الصحيفة أن من بين الخيارات المطروحة للنقاش إرسال محطات لتوفير خدمة “ستارلينك” داخل إيران.

تشكيك داخل الكونغرس
ورغم تصعيد نبرة البيت الأبيض، أبدى عدد من المشرعين الأميركيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي تشككهم في أن يكون الخيار العسكري هو النهج الأنسب في التعامل مع الوضع الإيراني. فقد تحدث اثنان على الأقل من أعضاء مجلس الشيوخ بلهجة حذرة خلال مقابلات تلفزيونية الأحد.
وقال السيناتور الجمهوري راند بول إنه لا يعرف ما إذا كان “قصف إيران سيُحدث التأثير المقصود”، معربا عن شكوكه في أن يؤدي العمل العسكري إلى تحقيق أهداف واشنطن. وشاركه الرأي السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، الذي حذر من أن أي هجوم عسكري على إيران قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال توحيد الإيرانيين خلف النظام في مواجهة “عدو خارجي”، بدلا من إضعافه.
وأشار وارنر إلى أن التاريخ يحمل دروسا واضحة بشأن مخاطر التدخل الأميركي، مستشهدا بالإطاحة بالحكومة الإيرانية عام 1953 بدعم من الولايات المتحدة، وهو ما أطلق –بحسب تعبيره– سلسلة من الأحداث التي أدت في نهاية المطاف إلى صعود النظام الإسلامي في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

تهديدات إيرانية ومواقف متشددة
في المقابل، ردت إيران بالتأكيد على أنها ستستهدف القواعد العسكرية الأميركية إذا شنت الولايات المتحدة هجوما عليها. وفي الوقت نفسه، دعا السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه المتشددة في السياسة الخارجية، إلى نهج أكثر صرامة، مطالبا ترامب بـ”تشجيع المتظاهرين وإرهاب النظام الإيراني”، على حد تعبيره.
وقال غراهام في تصريحات لقناة فوكس نيوز: “لو كنت مكانك، يا سيادة الرئيس، لقتلت القيادة التي تقتل الشعب. عليك أن تضع حدا لهذا الأمر”.
ومن جانبه، أعلن رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران والمقيم في الولايات المتحدة، استعداده للعودة إلى إيران لقيادة مرحلة انتقالية نحو نظام ديمقراطي. وقال في مقابلة مع قناة فوكس نيوز إنه يخطط بالفعل لذلك، موضحا أن مهمته تتمثل في قيادة هذا الانتقال بما يضمن عدم إغفال أي جانب، وإتاحة الفرصة للشعب الإيراني لاختيار قادته بحرية وشفافية كاملة لتقرير مستقبله بنفسه.
ورغم هذه التصريحات الحادة، نقل موقع بوليتيكو عن مسؤول أميركي قوله إنه لا توجد في الوقت الراهن تحركات كبيرة للقوات أو الأصول العسكرية الأميركية باتجاه إيران. وأضاف أن الولايات المتحدة قادرة على تصعيد حملة الضغط بوسائل متعددة، إلا أن نافذة اتخاذ القرار ضيقة في ظل الغضب الشعبي المتصاعد داخل إيران.

إسرائيل تترقب التطورات
على الصعيد الإقليمي، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مصدر إسرائيلي أن تل أبيب لا تعتزم في الوقت الحالي اتخاذ أي إجراء ضد إيران، وأن أي خطوة محتملة ستكون بالتنسيق الكامل مع واشنطن. كما أفادت وكالة رويترز، نقلا عن مصادر إسرائيلية، بأن إسرائيل في حالة تأهب قصوى تحسبا لأي تدخل أميركي محتمل.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن بلاده تراقب التطورات في إيران عن كثب، معربا عن أمله في أن “تتحرر البلاد قريبا من الاستبداد”. وأشار مصدر إسرائيلي إلى أن نتنياهو ناقش مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إمكانية التدخل الأميركي خلال مكالمة هاتفية جرت السبت.
وفي السياق ذاته، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر دعم تل أبيب للشعب الإيراني في ما وصفه بـ”نضاله من أجل الحرية”، مؤكدا في مقطع مصور نشره على منصة “إكس” أن إسرائيل لا تكن أي عداء للشعب الإيراني، وأن المشكلة الأساسية تكمن في النظام الإيراني، الذي وصفه بأنه مصدر رئيسي للإرهاب والتطرف إقليميا ودوليا.
وذكرت القناة 13 الإسرائيلية أن الأجهزة الأمنية في إسرائيل توصي القيادة السياسية بعدم التدخل في أحداث إيران، معتبرة أن أي تدخل إسرائيلي قد يعرقل مسار الاحتجاجات ويضر بتطورها الداخلي.

احتجاجات مستمرة وحصيلة ثقيلة
ميدانيا، تواصلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة الإيرانية لليوم الخامس عشر على التوالي في العاصمة طهران وعدد من المدن الأخرى. وأفاد مراسل الجزيرة بانحسار نسبي في حجم المظاهرات وأعمال الشغب مقارنة بالأيام الماضية، مع استمرار الانقطاع الشامل للإنترنت، ما يصعّب الحصول على معلومات دقيقة من مختلف المناطق.
وأعلنت وكالة أنباء فارس خروج تجمعات احتجاجية وصفتها بالمحدودة في عدد من أحياء طهران، مشيرة إلى أن قوات الشرطة أطلقت الغاز المسيل للدموع في منطقة بهارستان التابعة لمحافظة طهران عقب احتجاجات ليلية.
من جهتها، قالت وكالة تسنيم إن 109 من عناصر قوات الأمن والشرطة قُتلوا في أعمال الشغب بمناطق مختلفة من البلاد، بينما أفادت منظمة “آي إتش آر” الحقوقية بأن عدد القتلى في الاحتجاجات بلغ 192 شخصا. وحذرت منظمات حقوقية من أن السلطات الإيرانية قد تكون ارتكبت “عمليات قتل” خلال قمع الاحتجاجات المستمرة منذ أسبوعين.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن التلفزيون الرسمي الإيراني بث مشاهد لمبانٍ تحترق، من بينها مسجد، إضافة إلى مواكب تشييع لعناصر أمن تؤكد السلطات أنهم قُتلوا خلال الاحتجاجات. كما أظهرت مقاطع فيديو مسربة خروج تظاهرات حاشدة في طهران خلال ليالي الخميس والجمعة والسبت، رغم حجب الإنترنت، في وقت أفاد فيه صحفيون بأن الحركة في العاصمة باتت شبه معدومة.

حداد ودعوات رسمية
في خضم هذه التطورات، أعلنت الحكومة الإيرانية الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام على القتلى، بمن فيهم عناصر من قوات الأمن، وفق ما أعلنه التلفزيون الرسمي الأحد. كما دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان المواطنين إلى المشاركة في “مسيرة مقاومة وطنية” في مختلف أنحاء البلاد اليوم الاثنين، رفضا لما وصفه بأعمال العنف التي يرتكبها “إرهابيون مجرمون”.
واتهم بزشكيان، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني، الولايات المتحدة وإسرائيل بإصدار أوامر لمثيري الشغب بهدف تقويض الأمن وزعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى داخل البلاد.
وتأتي هذه التطورات فيما تشهد إيران احتجاجات على الأوضاع المعيشية للأسبوع الثالث على التوالي، وسط انقطاع شامل للإنترنت، ورفع شعارات مناهضة للسلطات في عدد من التظاهرات، ما ينذر باستمرار التوتر الداخلي وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5