العلويون بعد الأسد: قراءة معمقة

2026.01.11 - 03:01
Facebook Share
طباعة

 يشهد المجتمع العلوي في سوريا واحدة من أعمق التحولات في تاريخه الحديث، تحولات لم تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل امتدت إلى البنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وفرضت أسئلة جديدة حول الهوية، والتمثيل، والعلاقة مع الدولة بعد سقوط النظام السابق.

شكّل انهيار منظومة الحكم السابقة لحظة انعطاف حاسمة بالنسبة للعلويين، إذ انهار معها الرابط الذي حكم علاقتهم بالسلطة لعقود طويلة، ووجد المجتمع نفسه فجأة أمام فراغ سياسي ومؤسسي غير مسبوق، دفعه إلى البحث عن صيغ جديدة للحماية والتمثيل والاندماج.


تحولات عميقة دون قطيعة جذرية
يرى باحثون في الشأن السياسي أن ما يمر به المجتمع العلوي يمكن وصفه بتحولات كبيرة لكنها غير جذرية. فالعلاقة التاريخية التي ربطت الطائفة بالسلطة السياسية انقطعت بشكل مفاجئ، ما ولّد صدمة واسعة، خاصة أن نسبة كبيرة من أبناء المجتمع العلوي ارتبطت تاريخيًا بالدولة عبر الوظيفة العامة والمؤسسات الرسمية.

وبرزت مطالب واضحة برفض الإقصاء الجماعي من مؤسسات الدولة، باعتبار ذلك تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، لا موقفًا سياسيًا بالضرورة. في الوقت ذاته، عادت أسئلة الهوية إلى الواجهة، حول طبيعة العلوية بوصفها تراثًا دينيًا وثقافيًا متعدد الجذور، لا مجرد تعريف طائفي ضيق ارتبط بالسلطة خلال عقود.


الهوية والبحث عن تمثيل
خلال العام الماضي، تعزز التواصل بين أبناء المجتمع العلوي داخل سوريا وخارجها، سواء في تركيا أو بلدان الاغتراب، في محاولة لإعادة تعريف الذات الجماعية وسط شعور متزايد بالتهديد والخوف من التهميش. هذا التقارب عبر الحدود ساهم في تنشيط النقاشات حول الهوية والحقوق والتمثيل السياسي.

في ظل غياب قيادات سياسية مدنية منظمة، اتجه قسم من العلويين نحو الالتفاف حول شخصيات دينية، في ظاهرة يصفها مختصون بأنها استجابة ظرفية أكثر من كونها تحولًا عقائديًا. فالمجتمع العلوي، تاريخيًا، مجتمع علماني الطابع، إلا أن غياب البدائل السياسية دفع بعض شرائحه إلى استخدام الدين كأداة دفاع رمزية في مواجهة خطاب إقصائي أو تهديد وجودي.


التحولات الاقتصادية والاجتماعية
اقتصاديًا، بدأت تتغير أنماط العيش التقليدية، إذ تراجع الاعتماد شبه الكامل على الرواتب الحكومية، وظهرت توجهات جديدة نحو المشاريع الصغيرة والحِرف والزراعة، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي صعب. في المقابل، شهدت الطبقة الوسطى تآكلًا واضحًا، مع توسع رقعة الفقر، وهجرة شريحة من الطبقة الميسورة خارج البلاد.

اجتماعيًا، يعاني المجتمع من نقص حاد في فئة الشباب نتيجة الحرب والهجرة والخسائر البشرية، ما أدى إلى تغير في الأدوار داخل الأسرة، مع تصاعد دور النساء في إعالة العائلات وتحمل الأعباء المعيشية.


الطائفة في فراغ قيادي
يصف حقوقيون المرحلة الحالية بأنها مرحلة “فراغ قيادي”، نتجت عن تفريغ المجتمع العلوي سابقًا من قياداته الاجتماعية والدينية المستقلة، وحصر المرجعية بالدولة وحدها. ومع غياب هذه المرجعيات، برزت شخصيات جديدة، بعضها ديني، اكتسبت حضورًا شعبيًا متزايدًا، سواء بدافع الخوف أو الحاجة إلى صوت يدافع عن الحقوق.

لكن هذا الالتفاف لم يحظَ بإجماع كامل، إذ ظهرت داخل البيئة العلوية نفسها أصوات ترفض احتكار التمثيل أو فرض “مفوضين” باسم الطائفة، وتؤكد أن حماية المواطنين مسؤولية الدولة، لا أي مرجعية دينية أو سياسية بديلة.


العلاقة مع السلطة الجديدة
يتفق مراقبون على أن مستقبل العلاقة بين المجتمع العلوي والسلطة الحالية مرهون بقدرة الدولة على تقديم مقاربة شاملة تقوم على المواطنة، لا على منطق الغلبة أو الولاءات. فالتجاهل، وانتقائية العدالة الانتقالية، وإقصاء الموظفين دون بدائل اقتصادية، كلها عوامل تعمق مشاعر القلق وعدم الثقة.

ويرى محللون أن استمرار الخطاب التحريضي أو التعامل مع العلويين بوصفهم كتلة واحدة يعزز الانكفاء نحو الهويات الفرعية، ليس لدى العلويين فقط، بل لدى مختلف مكونات المجتمع السوري، ما يهدد بإعادة إنتاج انقسامات طويلة الأمد.


بين اللامركزية ومخاوف التفكك
برزت في أوساط العلويين مطالب سياسية متعددة، من بينها الدعوة إلى اللامركزية أو الفيدرالية بوصفها آلية لضمان الأمان وإدارة الشأن المحلي. ويرى مختصون أن هذه الطروحات لا تعني بالضرورة نزعة انفصالية، بل تعكس بحثًا عن صيغ حكم معتمدة في دول عديدة، قادرة على تقليل الاحتقان وضمان الحقوق.


خلاصة المشهد
رغم كل التحولات، لا يزال الانتماء الوطني حاضرًا بقوة لدى شريحة واسعة من العلويين، الذين أبدوا استعدادًا مبكرًا للاندماج في المرحلة الجديدة. غير أن غياب مشروع وطني جامع، وتأخر فتح المجال السياسي، يهددان بتآكل هذا الرصيد.

ويرى باحثون أن الانتقال الحقيقي نحو دولة المواطنة، وإطلاق مسار عدالة انتقالية شامل، وفتح المجال أمام التعددية السياسية، تمثل المدخل الوحيد لإعادة بناء الثقة، ليس مع العلويين وحدهم، بل مع جميع السوريين، في مرحلة بات فيها مستقبل الدولة على المحك.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5