سيرت “الإدارة الذاتية” لشمال وشرق سوريا، وهي المظلة السياسية لـ”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، يوم السبت 10 كانون الثاني، قوافل مدنية كبيرة باتجاه مدينة حلب، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول طبيعتها وأهدافها.
وبحسب مصادر محلية، ضمت القوافل أكثر من 100 حافلة تقل مدنيين من مدن وبلدات متعددة في محافظة الحسكة وريفها، ورفعت شعار “دعم المقاومة” في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد، وهي أحياء تشهد توترًا أمنيًا واشتباكات متقطعة في الآونة الأخيرة.
وانطلقت القوافل من مناطق المالكية، معبدة، تل كوجر، تل حميس، الجوادية، القحطانية، القامشلي، عامودا، وتل تمر، حيث تجمعت في مدينة الحسكة قبل أن تتجه نحو بلدة دير حافر شرق حلب، الواقعة على خطوط التماس بين “قسد” والقوات الحكومية السورية.
وتزامن ذلك مع انطلاق قوافل مشابهة من مدينتي الرقة والطبقة، إضافة إلى قافلة خرجت من مدينة عين العرب (كوباني) يوم الجمعة، وفق ما أوردته وسائل إعلام محلية وكردية.
رواية “النفير العام”
قال منظمو القوافل ووسائل إعلام مقربة من “الإدارة الذاتية” إن التحرك جاء استجابة لما وصفوه بـ”النفير العام”، بهدف مساندة أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في ظل ما اعتبروه “هجمات” تتعرض لها تلك المناطق.
وبثت وسائل إعلام كردية وصفحات محلية مقاطع فيديو وصورًا قالت إنها تظهر “وفودًا لبت نداء مجلس أحياء الشيخ مقصود والأشرفية”، للتعبير عن التضامن والدعم الشعبي.
اتهامات بالتجييش القسري
في المقابل، أفاد مصدر لوكالة أنباء آسيا، بوجود اتهامات للإدارة الذاتية بإجبار موظفين في مؤسساتها المدنية والخدمية على المشاركة في هذه القوافل.
وقال عدد من الموظفين في مدن الرقة وعين العرب (كوباني) إن مؤسسات الإدارة الذاتية تلقت تعليمات تطالب كل مؤسسة بتقديم قوائم بأسماء موظفيها للمشاركة في القوافل المتجهة نحو حلب عبر طريق دير حافر.
وبحسب هذه المصادر، جرى إبلاغ الموظفين بأن المشاركة “إلزامية”، مع التلويح بإجراءات عقابية، من بينها الفصل من العمل أو المحاسبة الإدارية، بحق من يرفض الانضمام إلى القوافل.
كما أشار إلى انتشار تسجيلات صوتية غير رسمية، منسوبة إلى جهات تابعة للإدارة الذاتية، حملت نبرة تهديد واضحة، دعت الموظفين إلى الالتحاق الفوري بالقوافل.
تساؤلات حول الوجهة الحقيقية
ووفق المصادر ذاتها، ادعت الإدارة الذاتية أن القوافل ستتجه إلى حي الشيخ مقصود داخل مدينة حلب، إلا أن الطريق المؤدي إلى الحي كان مغلقًا، ما أدى إلى توقف القوافل في منطقة دير حافر شرق حلب.
وأثار هذا الأمر تساؤلات حول الهدف الفعلي من تسيير القوافل، لا سيما مع وقوع دير حافر قرب خطوط التماس ومناطق تشهد نشاطًا عسكريًا.
مخاوف من استخدام المدنيين
أعادت هذه التطورات إلى الأذهان تحركات مشابهة قامت بها “قسد” مطلع عام 2025، خلال المعارك التي شهدتها منطقة سد تشرين شرق حلب، حين سيرت قوافل مدنية باتجاه مناطق قريبة من خطوط المواجهة.
وكانت تلك الخطوة قد قوبلت آنذاك بانتقادات دولية وحقوقية، واتهمت الحكومة التركية “قسد” باستخدام المدنيين كـ”دروع بشرية”، وانتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني.
وفي السياق الحالي، قالت مصادر عسكرية سورية إن نقل مدنيين إلى منطقة دير حافر يتزامن مع إطلاق طائرات مسيرة باتجاه مدينة حلب، معتبرة أن وجود القوافل قرب مواقع عسكرية قد يعرض المدنيين لمخاطر مباشرة.
تطورات ميدانية في حلب
ميدانيًا، بدأت قوى الأمن التابعة للحكومة السورية بالدخول إلى حي الشيخ مقصود شمالي مدينة حلب، عقب مواجهات مع “قوات سوريا الديمقراطية”.
وأعلنت الهيئة العامة للجيش السوري استكمال عمليات تمشيط الحي، في حين قالت مصادر عسكرية إن مقاتلين من “قسد” ما زالوا يتحصنون في عدد من المباني داخله.
من جهته، اتهم وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، مقاتلي “قسد” بالتحصن داخل مستشفيات ومراكز صحية، واستخدام من بداخلها كدروع بشرية، وهي اتهامات نفتها “قسد” بشكل قاطع.
الطائرات المسيّرة وتبادل الاتهامات
قال مصدر عسكري في الجيش السوري إن وحداته أسقطت خمس طائرات مسيرة تابعة لـ”قسد”، انطلقت من منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، وكانت تستهدف أحياء داخل مدينة حلب.
كما أعلنت مديرية الإعلام في حلب أن مبنى المحافظة تعرض لاستهداف بطائرة مسيرة، أثناء انعقاد مؤتمر صحفي رسمي ضم محافظ حلب عزام الغريب، ووزير الإعلام حمزة المصطفى، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات.
واعتبرت المديرية أن هذا الاستهداف يشكل اعتداءً على المؤسسات الحكومية والكوادر الإعلامية، فيما نفت “قسد” مسؤوليتها عن استهداف المبنى أو الأحياء السكنية.
وفي حادثة أخرى، انفجرت طائرة مسيرة انتحارية في مركز الأمن الداخلي بمدينة حلب، صباح اليوم نفسه، وسط تبادل للاتهامات بشأن الجهة المسؤولة عن إطلاقها.
قوافل إضافية متوقعة
بحسب مصادر محلية، تعمل “قسد” على تسيير قوافل إضافية من المدنيين باتجاه دير حافر، بعد أن تلقت المؤسسات المدنية والخدمية في مناطق سيطرتها تعليمات جديدة بتجهيز قوائم اسمية إضافية للمشاركة.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه خطوط التماس في شمال سوريا تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا، ما يثير مخاوف متزايدة من زج المدنيين في مناطق النزاع، وتعريضهم لمخاطر مباشرة في حال اندلاع مواجهات أوسع.