تسعى الحكومة الإسرائيلية لإعادة هندسة الاقتصاد في الضفة الغربية بهدف الحد من مقومات الحياة ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة متنكرة في صورة طوعية لضمان إفراغ الأرض من سكانها الأصليين واستكمال مشروع الضم الذي تحول إلى واقع ملموس الاقتصاد الفلسطيني يعتمد بشكل كبير على الاقتصاد غير الرسمي أو الهامشي الذي يشكل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي ويقدر بحوالي 56 مليار شيكل ويعد مصدر صمود رئيسي أمام الأزمات إذ يعتمد الفلسطينيون على الإبداع في العيش على الهامش والتكيف مع غياب الدولة أو سلطة مقيدة بلا صلاحيات كاملة.
تتحكم سلطات الاحتلال بمفاصل الحياة الاقتصادية في الضفة الغربية وتترك للسلطة الفلسطينية هوامش ضئيلة في إدارة الاقتصاد يمكن تشبيه العلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بشركة عملاقة لإنتاج السيارات هي إسرائيل بينما توجد شركات خدمات محدودة تعتمد على بعض الأنشطة الصغيرة مثل النقل أو البريد أو الخدمات البسيطة يقوم الفلسطينيون بالعمل فيها للبقاء على قيد الحياة.
تشمل إجراءات الاحتلال منع أكثر من 300 ألف عامل من الضفة الغربية من العمل في الداخل بعد السابع من أكتوبر وهم يشكلون مصدر الدخل الرئيسي للنقد في الضفة الغربية والبالغ نحو مليار دولار شهريا ولم يتبق منهم سوى ثمانين ألفا بينهم ثلاثون ألفا حاصلون على تصاريح رسمية وخمسون ألفا يعملون عبر طرق تهريب تحت ملاحقة مستمرة ويقتل بعضهم أثناء محاولاتهم اجتياز جدار الفصل العنصري أو خلال اعتقالهم كما يتم احتجاز غالبية أموال الضرائب الفلسطينية المعروفة باسم المقاصة والتي بلغت أكثر من ملياري دولار تشكل نحو ثلثي ميزانية السلطة الفلسطينية.
ايضاً الإجراءات الإسرائيلية تفرض قيودا صارمة على النظام المصرفي الفلسطيني لمنع نقل الشيكل إلى البنوك الإسرائيلية ما يؤدي إلى تكدس النقد ويؤثر على الاقتصاد غير الرسمي الذي يعتمد عليه الفلسطينيون في حياتهم اليومية كما تشمل محاولة قطع العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين فلسطينيي الداخل 1948 وفلسطينيي الضفة الغربية وهم يمثلون شريان اقتصادي رئيسي مثلما كان فلسطينيو الداخل يضخون نحو ثلاثة مليارات شيكل سنويا في اقتصاد مدينة جنين وحدها من خلال التسوق وامتلاك الشقق والعقارات والتعليم والسياحة الداخلية وبدونهم يتعرض الاقتصاد لضرر كبير.
تظهر آثار الاستيطان الرعوي الذي سيطر على ثلث مساحة الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة من خلال تدمير الزراعة والسيطرة شبه الكاملة على مصادر المياه الطبيعية ما أدى إلى انهيار تربية الماشية وتناقص المخزون الغذائي الزراعي إلى حد كبير وقد بثت القناة الإسرائيلية الرابعة 14 وهي قناة محسوبة على تيار اليمين في إسرائيل قبل نحو عام تقريراً أشار إلى الحركة الكثيفة للسيارات الحديثة في مدن الضفة الغربية كمؤشر على القوة الاقتصادية.
يرى محللون إسرائيليون إلى أن هذا النشاط الاقتصادي يعيق عمليات تهجير السكان لكنه في الوقت نفسه يوضح خطة الاحتلال لضرب نقاط القوة الاقتصادية للفلسطينيين.
تتطلب المرحلة المقبلة خطة فلسطينية وعربية مبتكرة لدعم صمود السكان تشمل توظيف الفلسطينيين في شركات تعمل عن بعد وإعادة هيكلة الاقتصاد الداخلي بشكل تشاركي وشفاف وترشيد المال العام ومكافحة الفساد وتوزيع الموارد بطريقة عادلة مع التركيز على منع تهجير السكان وحماية مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية.