تشهد مدينة حلب تصعيدًا عسكريًا ملحوظًا، مع استمرار العمليات التي ينفذها الجيش العربي السوري داخل حي الشيخ مقصود، وذلك في أعقاب تعثر الاتفاق الذي كان يقضي بإخلاء الحي من مسلحي قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وبالتزامن مع اشتباكات عنيفة وأوضاع إنسانية معقدة.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مصدر عسكري قوله إن قوات الجيش العربي السوري أنهت فجر يوم السبت عمليات تمشيط أكثر من 90% من المساحة الإجمالية لحي الشيخ مقصود، بعد فشل التوصل إلى تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه سابقًا، والذي نصّ على خروج مسلحي قسد من الحي.
وأوضح المصدر أن وحدات الجيش، خلال تقدمها الميداني داخل الحي، خاضت مواجهات مباشرة مع عناصر قسد، أسفرت عن اعتقال عدد منهم، إضافة إلى مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وكميات ضخمة من الذخائر، فضلًا عن أسلحة خفيفة وعبوات ناسفة كانت معدّة للتفجير. كما أكد المصدر أن الفرق الهندسية في الجيش تمكنت من تفكيك عشرات الألغام التي زرعت في شوارع وأزقة الحي، ما شكّل تهديدًا مباشرًا لحياة المدنيين.
وفي السياق ذاته، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري أن الخيار الوحيد المتبقي أمام العناصر المسلحة المتحصنة داخل حي الشيخ مقصود يتمثل في تسليم أنفسهم وسلاحهم فورًا إلى أقرب نقطة عسكرية، مقابل ضمان حياتهم وسلامتهم، مشددة على أن الجيش لا يسعى إلى التصعيد، وإنما إلى بسط الأمن والاستقرار.
من جانبه، أفاد مصدر صحفي باندلاع اشتباكات عنيفة خلال ساعات الليل في حي الشيخ مقصود، استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة، فيما نقل عن مصدر عسكري سوري قوله إن قوات الجيش حققت تقدمًا ميدانيًا ملموسًا، وسيطرت على ما يقارب 55% من الحي.
في المقابل، أعلن المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أن قواته تمكنت من تدمير دبابة تابعة لفصائل حكومة دمشق، كما أسقطت طائرة مسيّرة انتحارية، خلال محاولات الجيش اقتحام حي الشيخ مقصود، وفق تعبيره.
وفي تطور موازٍ، ذكرت مصادر أن عددًا من مقاتلي قسد غادروا حي الشيخ مقصود باتجاه بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي، في مؤشر على تراجع ميداني جزئي في صفوف القوات المتمركزة داخل الحي.
وكانت مصادر عسكرية قد قالت، مساء الجمعة، إن عناصر مسلحة مرتبطة بحزب العمال الكردستاني (PKK)، إلى جانب عناصر من فلول النظام السابق، تصرّ على مواصلة القتال داخل الحي، رغم أن الجيش السوري منحهم مهلة جديدة للخروج، بعد انقضاء المهلة الأولى صباح يوم الجمعة.
وأكدت الجهات الرسمية أن منح الجيش مهلاً متكررة للمسلحين، وعدم التعجّل في اقتحام الأحياء، يأتي في إطار الحرص على سلامة المدنيين وتجنب وقوع خسائر بشرية، موضحة أن تحرك الجيش يندرج ضمن دعم قوى الأمن الداخلي، بهدف بسط الأمن، وإعادة الحياة الطبيعية، واستئناف عمل مؤسسات الدولة في المنطقة.
تراجع في صفوف قسد وتطورات أمنية مرافقة
وفي سياق متصل، أفاد مصدر أمني لوكالة الأنباء السورية، مساء الجمعة، بأن قوى الأمن الداخلي تمكنت من تأمين انشقاق 100 عنصر من تنظيم قسد في محافظة حلب، من بينهم مسؤول أحد الحواجز ونائبه.
وأكد قائد الأمن الداخلي في حلب، العقيد محمد عبد الغني، خلال لقائه العناصر المنشقين، حرص الدولة السورية على دعم المبادرات الوطنية التي من شأنها التخفيف من معاناة أهالي المحافظة، مشددًا على أن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع مكونات النسيج الاجتماعي السوري، دون تمييز.
ميدانيًا، قامت الجرافات بفتح طريق “الكاستيلو”، الذي ظل مغلقًا لعدة سنوات، في خطوة اعتُبرت ذات أهمية استراتيجية وإنسانية. وفي المقابل، نقلت وكالة سانا عن مصدر أمني رسمي إعلان إغلاق طريق الرقة–دير الزور حتى إشعار آخر، لأسباب أمنية.
وكان الجيش السوري قد أعلن في وقت سابق فتح ممر إنساني لخروج أهالي حي الشيخ مقصود إلى باقي أحياء مدينة حلب، داعيًا عناصر قسد إلى إلقاء السلاح والاستفادة من المبادرات المطروحة.
ويُذكر أن التوترات في مدينة حلب مستمرة منذ يوم الثلاثاء الماضي، حين شنت قوات قسد، انطلاقًا من مناطق سيطرتها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، هجمات استهدفت أحياء سكنية، ومنشآت مدنية، ومواقع عسكرية للجيش داخل المدينة، ما أدى إلى مقتل 9 أشخاص وإصابة 55 آخرين، إضافة إلى نزوح نحو 165 ألف شخص من الحيين، وفق أحدث الأرقام الرسمية المعلنة.