فشل مشروع تقسيم اليمن مثّل انتكاسة استراتيجية لإسرائيل، التي كانت ترى في جنوب البلاد مدخلًا لإعادة تشكيل موازين القوة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. الرهان الإسرائيلي لم يكن محصورًا في دعم كيان انفصالي بقدر ما كان استثمارًا في الجغرافيا السياسية الممتدة من خليج عدن إلى مضيق باب المندب، بما يضمن حرية ملاحتها ويخفف هشاشة وضعها البحري التي كشفتها حرب غزة.
الخسارة الأولى تمثلت في سقوط رهان التحكم غير المباشر بمضيق باب المندب وجود كيان حليف في جنوب اليمن كان سيمنح إسرائيل قدرة ضغط بحرية على الحوثيين، ويؤمّن خطوط إمدادها التجارية والعسكرية نحو البحر الأحمر والمحيط الهندي إخفاق هذا السيناريو أبقى المضيق خارج النفوذ الإسرائيلي، وأعاد تثبيت معادلة أن أمنه مرهون بتوازنات إقليمية لا يمكن القفز فوقها.
الخسارة الثانية سياسية، إذ فشل نموذج “الاعتراف المنفرد” الذي جُرّب مع إقليم أرض الصومال التجربة أظهرت أن الاعتراف الإسرائيلي لا يمنح شرعية دولية، وإنما قد يتحول إلى عبء يعمّق العزلة ويستفز رفضًا عربيًا وأفريقيًا أوسع. سقوط مشروع جنوب اليمن قطع الطريق على تكرار النموذج ذاته في خاصرة الجزيرة العربية.
أما الخسارة الثالثة فإقليمية، وتتعلق بتقليص النفوذ السعودي والتركي، إسرائيل كانت تطمح إلى كيان جنوبي يضغط على السعودية من خاصرتها الجنوبية ويفتح هامش مناورة ضد تمدد تركيا في البحر الأحمر وبحر العرب.
دعم الرياض للحكومة الشرعية وقواتها حسم المعركة، وأثبت أن خطوط الأمن القومي لا تزال قادرة على تعطيل مشاريع التفتيت.
في المحصلة، لم تخسر إسرائيل حليفًا محتملاً فحسب، بل خسرت فرصة لإعادة رسم الخريطة البحرية والأمنية في جنوب الجزيرة العربية والأهم، أن فشل المشروع أعاد التأكيد على أن تفكيك الدول لم يعد مسارًا قابلًا للتسويق، وأن أي رهان خارجي على هذا الخيار بات مكلفًا سياسيًا وأمنيًا.