يستمع مجلس الوزراء اللبناني اليوم إلى ما يعرف بـ«الإطار المرجعي لتحديد منهجية وآليات التدخّل ضمن مسار إعادة الإعمار»، الذي أعدته وزارة البيئة، ويقترح منهجية لتحديد آلية التدخل ودفع المساعدات للأضرار التي لحقت الوحدات السكنية وغير السكنية جراء العدوان الإسرائيلي بعد 8 تشرين الأول 2023، إضافة إلى الأضرار الناتجة عن انفجار مرفأ بيروت. وقد أُعد الإطار بتكليف من لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، بعد اجتماع تقني مع مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة واتحاد بلديات الضاحية ومجلس الإنماء والإعمار وشركة «خطيب وعلمي»، لكنه كشف عن مجموعة من الثغرات الجوهرية التي قد تحد من فعالية الخطة.
واشتملت الثغرات على المساواة بين جميع الوحدات السكنية مهما اختلف حجمها، مع فارق ضئيل بين التعويض عن الهدم الجزئي والهدم الكلي، وهو ما يقلل من قدرة التعويض على تلبية الاحتياجات الفعلية. كما يكرّس الاقتراح فكرة المنطقة العازلة جنوباً من خلال الإقرار بصعوبة إعادة الإعمار والاكتفاء بدفع بدلات الإيواء للأسر النازحة، مع إهمال ترميم البنى التحتية الحيوية في القرى الحدودية، ما يفتح الباب أمام استمرار الفراغ العمراني في هذه المناطق. وقد أضاف الاقتراح التباساً بشأن استبدال البناء بالتعويض المالي في حال قرر المالك عدم إعادة الإعمار في المكان نفسه، ما يضعف مبدأ تثبيت الأهالي في قراهم.
واستند الاقتراح إلى تقارير المجلس الوطني للبحوث العلمية التي وثقت آثار الاعتداءات على السكان والبيئة والزراعة والبنى التحتية، كما استعاد تقرير البنك الدولي الذي قدّر الخسائر في عشرة قطاعات أساسية حتى 20 كانون الأول 2024 بنحو 11 مليار دولار، مشيراً إلى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بعد هذا التاريخ أدى إلى ارتفاع الخسائر الفعلية. ففي بلدة الناقورة، على سبيل المثال، سجّل مجلس البحوث العلمية حتى 3 تشرين الثاني 2025 تدمير 183 مبنى مقابل 109 مبانٍ دمرها العدو قبل وقف إطلاق النار. ويكشف الاقتراح أن حكومة سلام لم تقم سوى بالموافقة على مشروع قانون للضرائب والإعفاءات المالية للمتضررين، بينما كان ملف إعادة الإعمار بلا خطوات عملية طوال عام من انتهاء الحرب، حتى اليوم حيث يتم عرض الاقتراح كإطار عمل.
وفق الاقتراح، تتجاوز الأضرار في المباني السكنية وغير السكنية 6 مليارات دولار، ويقترح تحديد أولويات التدخل وفق حجم المستفيدين لضمان عودة أكبر عدد من المواطنين إلى مساكنهم. وينص الاقتراح على البدء بالمباني التي تحتاج إلى ترميم إنشائي، والتي تشمل نحو 3100 مبنى في الجنوب والبقاع الغربي وبعلبك-الهرمل وبيروت الكبرى، بتكلفة تقديرية تصل إلى 153 مليون دولار، بما يسمح بإعادة أكثر من 13 ألف عائلة إلى منازلها. يلي ذلك المباني المتضررة جزئياً، ثم تلك المتضررة بشكل طفيف إلى متوسط، وأخيراً المباني المدمرة كلياً. أما القرى الحدودية التي لا تزال تتعرض لهجمات إسرائيلية فيقترح اقتراح دفع بدلات إيواء للأسر النازحة، دون الإشارة إلى ترميم البنية التحتية الأساسية مثل شبكات الكهرباء والمياه والهاتف، ما يعزز فكرة المنطقة العازلة ويترك السكان خارج نطاق الحماية الحكومية المباشرة.
تحدد الآلية أن يقدم المتضرر طلب التعويض خلال ستة أشهر من تاريخ إقرارها، على أن يتولى مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة عمليات المسح والتقدير. غير أن هذا الترتيب يضع المواطن في موضع مسؤولية تقديم المستندات كاملة، ما قد يؤخر عمليات التعويض رغم أن المناطق المتضررة معروفة والفرق الرسمية قادرة على المسح الميداني مباشرة. ويغفل الاقتراح التعامل مع الوحدات المبنية على أملاك عامة، بينما تمنح القوانين الحالية أصحابها الحق في التعويض حتى إذا رفضت الدولة السماح بإعادة البناء. كما يشترط الاقتراح على المالك توثيق الضرر قبل أي ترميم، في حين أن معظم أعمال الترميم أنجزتها مؤسسة «جهاد البناء» التابعة لحزب الله مباشرة بعد الحرب، ما يجعل إثبات الضرر صعباً أو مستحيلاً.
تتراوح قيمة التعويضات وفق الاقتراح بين 10 ملايين ليرة و2.5 مليار ليرة للترميم، أما الهدم الكلي فيقدر بـ6 مليارات ليرة للوحدة السكنية، والهدم الجزئي بنحو 40 مليون ليرة للمتر المربع للوحدة السكنية و20 مليون ليرة للمتر للوحدة غير السكنية، مع حد أقصى 4.5 مليارات ليرة. وتؤكد الثغرات أن التساوي بين جميع الوحدات السكنية بغض النظر عن المساحة، وغياب تعريف واضح للوحدة السكنية، يجعل التعويضات غير عادلة وقد تثير جدلاً واسعاً، خصوصاً أن الفرق بين كلفة الهدم الجزئي والهدم الكلي ضئيلة للغاية.
كما يغيب في الاقتراح ذكر معالجة الأسطح وغرف الكهرباء ومواقف السيارات والواجهات الخارجية للمباني، ولم تُراعَ المعايير الزلزالية للمباني القديمة، رغم أهمية ذلك للسلامة العامة. ويفتح الاقتراح المجال للحصول على تعويض عن الهدم الكلي للمالك إذا قرر عدم البناء على العقار نفسه، لكنه يحتاج إلى تعديل لتلزيم المالك بالبناء في مكان آخر ضمن البلدة نفسها، لضمان تثبيت القرى ومنع هجر السكان، بما يتماشى مع مبدأ إعادة الإعمار وليس الهجرة القسرية.