أعاد الإعلان المفاجئ عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلط الأوراق داخل العواصم الأوروبية، ليس فقط بسبب حساسية الحدث وخطورته السياسية، بل لما كشفه بوضوح عن حجم التصدعات الكامنة داخل الموقف الأوروبي، والتي طالما جرى التستر عليها خلف بيانات دبلوماسية فضفاضة وشعارات قانونية عامة.
جاء هذا التطور في سياق دولي شديد التوتر، يشهد تراجعا غير مسبوق في اليقين بالقواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود، وبخاصة مبدأ سيادة الدول واحترام القانون الدولي. وفي هذا المناخ المضطرب، وجدت أوروبا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكنها التوفيق بين خطابها المعلن القائم على الدفاع عن الشرعية الدولية، وبين علاقتها العضوية بالولايات المتحدة، الحليف الإستراتيجي الذي لم يتردد هذه المرة في فرض منطقه الخاص، حتى وإن تعارض مع القواعد التي يُفترض أنها تمثل مرجعية مشتركة للغرب.
وبينما حاولت بعض العواصم الأوروبية تسويق عملية الاعتقال باعتبارها خطوة تندرج في إطار "مكافحة الجريمة العابرة للحدود"، ومرتبطة باتهامات أميركية قديمة تتعلق بتهريب المخدرات، وجدت أوروبا نفسها أمام معضلة مزدوجة لا تخلو من الكلفة: إما الاصطفاف خلف القرار الأميركي بكل ما يحمله من تبعات قانونية وسياسية، أو التمسك بخطاب قانوني مبدئي تدرك مسبقا أن ثمنه سيكون مرتفعا على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية.
بين الانقسام والصمت: مشهد أوروبي مرتبك
يعكس التعاطي الأوروبي مع اعتقال مادورو حالة انقسام مزمنة داخل الاتحاد الأوروبي، فشلت مؤسساته في تجاوزها رغم الأزمات المتكررة. ويؤكد إيمانويل ديبوي، رئيس معهد الاستشراف والأمن في أوروبا، أن "الموقف الأوروبي بعيد كل البعد عن الوحدة"، مشيرا إلى أن عددا من الدول يتبنى وجهات نظر متناقضة جذريا، وأن بعضها لا يكتفي بالاقتراب من الموقف الأميركي، بل يكاد يبرره بالكامل.
وفي هذا السياق، يلفت ديبوي إلى أن تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جاءت منسجمة إلى حد كبير مع مواقف كل من رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إذ رحبت هذه القيادات بالاعتقال بوصفه خطوة من شأنها وضع حد لنظام مادورو، دون التوقف مطولا عند مسألة شرعية التدخل الأميركي.
وفي المقابل، برز الصمت الألماني لافتا، إذ لم تصدر برلين أي موقف واضح أو تعليق رسمي، وهو ما يعكس حذرا سياسيا متزايدا لدى الحكومة الألمانية في القضايا التي تمس مباشرة العلاقة مع واشنطن.
وكان ماكرون قد أشاد، عبر منصة "إكس"، بما وصفه بـ"تحرر الشعب الفنزويلي من دكتاتورية نيكولاس مادورو"، من دون أن يتطرق إلى مسألة أن العملية الأميركية نُفذت خارج أي إطار دولي أو تفويض أممي. هذا الموقف أثار انتقادات حادة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية، ما دفع الرئيس الفرنسي لاحقا إلى محاولة التخفيف من حدة الجدل خلال اجتماع لمجلس الوزراء، مؤكدا أن الأسلوب الذي استخدمته واشنطن في تنفيذ الاعتقال "لا يحظى بدعم أو موافقة فرنسا".
هذا التناقض في الخطاب، بين الترحيب بالنتائج والتحفظ على الوسائل، يعكس إشكالية أعمق داخل أوروبا: هل تُقدَّم مبادئ العدالة الدولية وسيادة القانون بوصفها خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها، أم أنها تخضع لحسابات سياسية أوسع تحكمها موازين القوى والتحالفات؟
مقارنة تاريخية وغياب الإدانة الصريحة
يرى المحلل السياسي الفرنسي جان بيير بيران أن الموقف الفرنسي تحديدا "افتقر إلى إدانة حقيقية وواضحة"، خاصة إذا ما قورن بالموقف الذي اتخذه الرئيس الراحل جاك شيراك ورئيس وزرائه آنذاك دومينيك دوفيلبان عام 2003، حين عارضت فرنسا بشكل صريح الغزو الأميركي للعراق، دفاعا عن القانون الدولي ورفض الأحادية الأميركية.
ويضيف بيران، في حديثه، أن العملية الأميركية في فنزويلا أسفرت عن مقتل نحو 20 جنديا فنزويليا، وهو ما يعني –من وجهة نظره– أن القانون الدولي بات غائبا تماما، وأن قواعده لم تعد تُعتد بها حين تتعارض مع المصالح الكبرى.
تبعية سياسية للقرار الأميركي
لا يرى عدد من المراقبين أن غياب موقف أوروبي موحد مجرد اختلاف في التقديرات أو زوايا النظر، بل يعتبرونه انعكاسا مباشرا لتبعية سياسية بنيوية للقرار الأميركي، يصعب على القادة الأوروبيين الاعتراف بها علنا.
ويؤكد إيمانويل ديبوي أن "أحدا لا يجرؤ على القول بصراحة إننا أمام تبعية للسياسة الأميركية، لكن هذه هي الحقيقة"، مشيرا إلى أن هذا الواقع يتجلى بوضوح في عجز أوروبا عن توحيد موقفها حتى في قضايا تمس سيادة دول أوروبية، مثل الموقف الدانماركي بشأن غرينلاند.
ورغم صدور بعض المواقف المحدودة التي حاولت التمسك بالمرجعية القانونية الدولية، كتصريحات رئيسة الوزراء الدانماركية مته فريدريكسن، فإن هذه الأصوات بقيت معزولة، في ظل غياب بيان قوي ومتماسك من المفوضية الأوروبية أو مجلس الاتحاد الأوروبي.
كما أن البيان المشترك الصادر عن بريطانيا وفرنسا وبولندا وإيطاليا وألمانيا، والذي أكد التضامن مع الدانمارك والدعوة إلى احترام وحدة أراضيها، لم يتضمن أي إدانة واضحة أو موقف حازم تجاه الولايات المتحدة، ما يعكس حدود الجرأة السياسية الأوروبية.
حسابات جيوسياسية ومخاوف التصعيد
في ما يتعلق باعتقال مادورو وزوجته ليلا، تعاملت معظم الدول الأوروبية بمنطق الحذر الشديد، ليس بدافع التعاطف مع النظام الفنزويلي، بل خوفا من التداعيات الجيوسياسية الواسعة لهذه الخطوة.
ففنزويلا ليست دولة هامشية أو معزولة، بل تمثل عقدة تقاطع لمصالح دولية معقدة، تشمل قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إضافة إلى دول أميركا اللاتينية. وأي تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى زعزعة توازنات إقليمية ودولية حساسة.
وفي هذا السياق، يشرح مدير مجلة "أورينت ستراتيجيك"، بيير بيرتولو، أن الموقف الأوروبي يتوزع بين ثلاث مقاربات: دول تؤيد التدخل الأميركي صراحة، مثل إيطاليا؛ ودول تدينه بشدة، إلى جانب الأمم المتحدة وقوى كبرى كروسيا والصين والهند؛ ومجموعة ثالثة تحاول التمسك بخط وسطي متوازن، لكنه غالبا ما يكون مصحوبا بالارتباك والتردد، كما هو الحال بالنسبة إلى فرنسا.
ويضيف بيرتولو أن منطق التكامل الأوروبي القائم على احترام المعايير الدولية كان يقتضي إدانة واضحة لتصرفات نظام مادورو، لكن ذلك لا يبرر القبول بتجاوز قواعد القانون الدولي، حتى لو كانت لائحة الاتهام الأميركية الموجهة ضد مادورو محل طعن وتشكيك قانوني.
المصالح قبل المبادئ: النفط في قلب المعادلة
بعيدا عن الخطاب الحقوقي والقانوني، تلعب المصالح الاقتصادية، وعلى رأسها ملف الطاقة، دورا محوريا في تفسير التردد الأوروبي.
ويرى بيرتولو أن السيطرة الأميركية المحتملة على الإنتاج النفطي الفنزويلي ستمنح واشنطن "استقلالا إستراتيجيا أكبر"، رغم تقدمها في مجال النفط والغاز الصخري. فالولايات المتحدة لا تزال تعتمد على واردات كبيرة من مناطق غير مستقرة، لا سيما الشرق الأوسط.
كما أن إعادة إنعاش الإنتاج النفطي الفنزويلي، الذي تراجع إلى أقل من مليون برميل يوميا بعد أن كان يصل إلى نحو 5 ملايين برميل، ستمكن واشنطن من إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمية، وتعزيز نفوذها مقارنة بمنظمة "أوبك بلس".
ولا ينفصل هذا البعد الاقتصادي عن الصراع الجيوسياسي مع الصين، التي تعتمد جزئيا على النفط الفنزويلي. وبالتالي، فإن تقليص هذا المورد سيمنح الولايات المتحدة ورقة ضغط إضافية في مواجهة منافسها الإستراتيجي الأول.