تشهد الأحياء الشمالية لمدينة حلب، ولا سيما الشيخ مقصود والأشرفية ودوار الشيحان، تصعيدًا أمنيًا متواصلًا تمثل باشتباكات متقطعة بين القوات الحكومية وقوى الأمن الداخلي التابعة لـ“قوات سوريا الديمقراطية”، وسط حالة من التوتر الشديد ونزوح واسع للمدنيين.
ورغم مرور أيام على اندلاع المواجهات، لم تشهد الخارطة العسكرية تغيرًا ملحوظًا، إلا أن حدة الاشتباكات تصاعدت عقب انتهاء المهلة التي أعلنتها القوات الحكومية لخروج المدنيين من مناطق التماس، حيث شمل التصعيد تبادلًا لإطلاق النار واستخدامًا للقذائف المدفعية.
ومع حلول مساء الأربعاء، تراجعت وتيرة الاشتباكات المباشرة تدريجيًا، إلا أن القصف المدفعي المتقطع استمر، مستهدفًا أحياء محيطة بالشيخ مقصود، بينها السريان والشيخ طه والميدان، إضافة إلى استهداف متقطع داخل الشيخ مقصود نفسه، ما زاد من حالة الهلع بين السكان.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق أن الشيخ مقصود والأشرفية يُعدّان مناطق ذات أهداف عسكرية، داعية المدنيين إلى المغادرة قبل بدء العمليات. وأسفر القصف والاشتباكات عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم نساء وأطفال، مع استمرار عمليات إسعاف المصابين ونقلهم إلى المستشفيات.
تعليق الدوام وتدابير احترازية
على خلفية التصعيد، أعلنت محافظة حلب تمديد تعليق الدوام في المدارس والجامعات العامة والخاصة، حرصًا على سلامة الطلاب والكادر التعليمي، فيما تُرك قرار استئناف العمل في بقية المؤسسات الحكومية لتقدير الإدارات المعنية وفق الوضع الأمني، خصوصًا في المناطق القريبة من الاشتباكات.
تبادل اتهامات وتصعيد سياسي
في المقابل، اتهمت قوى الأمن الداخلي القوات الحكومية بمواصلة استهداف الأحياء السكنية، مشيرة إلى أضرار مادية طالت منازل وأسواقًا شعبية نتيجة القصف، ومعتبرة أن ما يجري يشكل تهديدًا مباشرًا للمدنيين ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في شمال المدينة.
كما تصاعد الخطاب السياسي بين الطرفين، حيث نفت “قوات سوريا الديمقراطية” وجود أي انتشار عسكري لها داخل الشيخ مقصود والأشرفية، ووصفت الحيين بأنهما مناطق مدنية مكتظة، معتبرة أن استهدافهما يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.
من جهتها، أكدت الحكومة السورية أن نفي الطرف الآخر لوجوده العسكري يُحمّل الدولة المسؤولية الحصرية عن الأمن داخل المدينة، مشددة على أن إجراءاتها تهدف إلى حفظ الأمن ومنع أي نشاط مسلح داخل المناطق السكنية، مع التأكيد على أن حماية جميع المواطنين مسؤولية وطنية دون تمييز.
اتفاق معلق وخلافات متراكمة
تعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلاف حول تنفيذ اتفاق أُبرم مطلع نيسان 2025، ونصّ على تنظيم الوضع الإداري والأمني في الشيخ مقصود والأشرفية، ومنع المظاهر المسلحة، وحصر السلاح بجهات أمنية محددة، إضافة إلى ترتيبات تتعلق بملفات المحتجزين.
غير أن التبادل الاتهامي الحالي يعكس فجوة عميقة في تفسير وتنفيذ بنود الاتفاق، حيث يتهم كل طرف الآخر بالتنصل من التزاماته، ما أعاد المنطقة إلى مربع التوتر.
نزوح واسع واستجابة طارئة
ميدانيًا، أدى التصعيد إلى نزوح آلاف المدنيين، معظمهم من العائلات المقيمة في الحيين المتأثرين، وسط مخاوف من اتساع رقعة العنف. وأعلنت الجهات المعنية تشكيل لجنة طوارئ لمتابعة أوضاع النازحين وتأمين مراكز إيواء مؤقتة، بالتعاون مع منظمات إنسانية.
قلق دولي ودعوات للتهدئة
على الصعيد الدولي، تصاعدت الدعوات لوقف التصعيد وحماية المدنيين، مع تحذيرات من تدهور الوضع الإنساني في حال استمرار الأعمال القتالية. وأكدت جهات دولية ضرورة الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب، وضمان مرور آمن للمدنيين وتسهيل وصول المساعدات.
كما دعت شخصيات سياسية كردية بارزة إلى اعتماد الحوار وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى نزاع قومي، محذرة من مخاطر تعريض المدنيين لأي انتهاكات جسيمة.
في ظل غياب مؤشرات واضحة على حوار قريب، تبقى مدينة حلب أمام اختبار أمني جديد، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى فتح جبهة توتر طويلة الأمد في واحدة من أكثر المدن السورية حساسية.