من كاراكاس إلى غزة: كيف تفرض القوة الأميركية «الشرعية» الانتقائية

2026.01.07 - 07:34
Facebook Share
طباعة

كشف اختطاف الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في الثالث من يناير 2026 عقب هجمات ليلية استهدفت كاراكاس والممر الساحلي لحظة فاصلة في النظام الدولي فهي ليست تصعيداً عابراً في نزاع طويل إعلان صريح عن عودة منطق إمبراطوري يُفرض بالقوة مفاده أن السيادة في نصف الكرة الغربي قابلة للإلغاء وأن القانون الدولي لم يعد قيداً على القوى العظمى أداة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم والدول الأضعف.

قدمت واشنطن العملية: باعتبارها إنفاذاً للقانون غير أنها في جوهرها غارة عسكرية وهو ما أكدته تصريحات البيت الأبيض نفسه فقد وصف دونالد ترامب العملية بأنها ناجحة للغاية معلناً أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة البلاد إلى حين إنجاز انتقال آمن وسليم محذراً القادة الفنزويليين من أن ما حدث لمادورو يمكن أن يتكرر مع استعداده لوضع قوات على الأرض.

تفضح لغة النفط جوهر العدوان:

تتضح طبيعة الهدف الحقيقي عندما ربط ترامب العملية مباشرة بالنفط متحدثاً عن دخول الشركات الأميركية إلى فنزويلا لإصلاح البنية التحتية وجني الأرباح ومدعياً أن فنزويلا سرقت نفطاً بنتْه الولايات المتحدة بموهبتها وعملها واصفاً ذلك بأنه واحدة من أكبر سرقات الممتلكات الأميركية في التاريخ.
تنتمي هذه اللغة إلى قاموس الغزو والنهب لا إلى معجم الشرعية الدولية وهي تكشف أن ما جرى ليس دفاعاً عن القانون إعادة تعريف له بما يخدم الهيمنة الاقتصادية.
تعيد عقيدة مونرو إنتاج الهيمنة
لفهم ما جرى في فنزويلا لا بد من وضعه في سياق أوسع للعقلية الإمبريالية الأميركية فمنذ إعلان عقيدة مونرو عام 1823 تحول نصف الكرة الغربي إلى مجال نفوذ حصري تُقرر فيه واشنطن أي الحكومات شرعية وأيها خطرة وأي الموارد تُعد إستراتيجية ويمكن الاستحواذ عليها بالقوة
من إيران إلى تشيلي ومن غواتيمالا إلى نيكاراغوا ليست التدخلات الأميركية سوى تطبيق متكرر للمنطق نفسه حين تتعارض سياسات دولة ما مع الأولويات الأميركية تصبح زعزعة استقرارها خياراً مشروعاً وتتحول شعارات الديمقراطية ومكافحة الإرهاب إلى أدوات تبرير.
تتوارى اليوم خلف الإنكار أو الوكلاء تعرض هيمنتها بلا مواربة.

توظف العقوبات كتمهيد لتغيير الأنظمة:

تجلس فنزويلا فوق أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم يتجاوز 300 مليار برميل إضافة إلى ثروات هائلة من الذهب والحديد والعناصر الأرضية النادرة ولم تكن هذه الموارد يوماً خارج حسابات الصراع الجيوسياسي
في الأشهر التي سبقت الهجوم شددت واشنطن الحصار صادرت شحنات نفطية خفضت الصادرات إلى النصف وشنّت هجوماً سيبرانياً عطّل شركة النفط الوطنية بيديفيسا ما أظهرته هذه الخطوات أن العقوبات ليست أداة ضغط سياسية فحسب تمهيد مباشر لاستخدام القوة
ومع تحوّل غالبية صادرات النفط الفنزويلي نحو آسيا ولا سيما الصين باتت المسألة بالنسبة لواشنطن جريمة.

جيوسياسية في عصر التنافس الإستراتيجي:
يقارن المشهد بين فنزويلا وغزة
لا يمكن قراءة فنزويلا بمعزل عن غزة ففي الوقت الذي تُقدَّم فيه الغارة على كاراكاس باعتبارها إنفاذاً للقانون وفّرت واشنطن غطاءً سياسياً وعسكرياً مفتوحاً للكيان الصهيوني رغم قرارات محكمة العدل الدولية وأوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو.
هنا تتجلى الشرعية الانتقائية بوضوح يُختطف رئيس دولة ذات سيادة بلا محاكمة بينما يُعامل متهم بجرائم حرب كشريك إستراتيجي وعندما يُطبق القانون فقط على الخصوم يفقد صفته القانونية ويغدو أداة هيمنة
يرسخ الردع النووي معادلة البقاءد.
تؤكد فنزويلا درساً قاسياً للنظام الدولي لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل بكوريا الشمالية ما فعلته بكاراكاس لأن الأولى تمتلك ردعاً نووياً ويُعيد هذا الواقع تعزيز القناعة في دول الجنوب العالمي بأن امتلاك القوة الرادعة بات شرطاً للبقاء لا خياراً أيديولوجياً
وينطبق هذا المنطق على إيران التي تجعل قدراتها العسكرية والجغرافية والديمغرافية أي سيناريو مشابه لفنزويلا غير قابل للتحقق بتكلفة باهظة على المهاجمين وعلى النظام الدولي بأسره.
تكشف فنزويلا حدود القوة الإمبراطورية
رغم اختطاف مادورو لم تنقسم المؤسسة العسكرية الفنزويلية ولم تسقط الدولة بل أعلنت القيادة السياسية والعسكرية التعبئة دفاعاً عن السيادة مؤكدة أن ما يجري عدوان خارجي لا انتقال سياسي.
تُظهر هذه الوقائع أن إسقاط قائد لا يعني إسقاط مجتمع والتدخل الخارجي حين يُفهم على نطاق واسع كهيمنة ونهب للموارد يعزز التماسك الداخلي بدل تفكيكه، تؤكد التجربة سقوط ادعاءات الكونية الغربية
كما كشفت غزة خواء ادعاءات النظام الليبرالي العالمي تنقل فنزويلا هذا الدرس إلى نصف الكرة الغربي بوضوح صارخ عندما يُطبق القانون انتقائياً يكفّ عن أن يكون قانوناً وعندما يُربط العدوان علناً بالنفط تسقط آخر أقنعة الإمبراطورية
قبل أكثر من ألفي عام حذّر ماركوس أوريليوس من مصير الإمبراطوريات التي لا تتعلم من التاريخ غير أن التاريخ كما يبدو لا يزال مضطراً لتلقين الدرس من جديد. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6